خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣١ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
«التلخيص» و «الإيضاح» بالشرح و التفسير، إلاّ أنّهم لم يخرجوا عمّا رسمه و إن أضاف بعضهم فنونا أخرى كالسبكيّ.
و إذا كان البديع قد حصر في أنواع محدّدة على يد الخطيب القزويني فقد عاد فيما بعد لينتعش على يد خليل بن أيبك الصفديّ في كتابه «جنان الجناس» ، إذ ذكر في المقدمة تسميته و اشتقاقه و ما يتعلّق به من تصريف حروف اللفظ، و تقديم بعض الأجزاء على بعض، و توليده أقساما عديدة، فاستخرج ثلاثة عشر نوعا من الجناس و أورد الشواهد الشعريّة المناسبة لها.
و من علماء القرن الثامن الهجري الذين جاءوا قبل الصفديّ، يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم العلويّ اليمنيّ، و من آثاره المهمة في البلاغة كتابه «الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة و علوم حقائق الإعجاز» ، إذ ضمّنه قواعد البلاغة عامّة سواء ما اتصل منها بالمعاني أو البيان أو البديع، و كلّ ما ذكره يحيى بن حمزة في كتابه عن علم البديع قد استوحاه من كتاب «المصباح في المعاني و البيان و البديع» لبدر الدين بن مالك؛ و قد أورد فيه عشرين محسّنا لفظيا، و خمسة و ثلاثين محسّنا معنويّا.
و من هؤلاء معاصر يحيى بن حمزة، محمد بن عمرو التنوخيّ صاحب كتاب «الأقصى القريب في علم البيان» الذي اعتبر البلاغة فيه وحدة عضويّة مترابطة، متبعا بذلك طريقة ضياء الدين بن الأثير، إلاّ أنه يختلف عنه في طريقة البحث و المعالجة، إذ اعتمد ابن الأثير في بحثه على الذوق الأدبيّ، أمّا هو فقد اعتمد على النحو و المنطق. ثم إنّ حظّ البديع من كتابه كان ضئيلا، كما أنه لم يفرّق فيه بين ما هو لفظيّ و ما هو معنويّ، كما فعل بعض البلاغيين المتقدّمين عليه.
ثم يطالعنا، قبل انتهاء النصف الأوّل من القرن الثامن الهجريّ، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعيّ الدمشقيّ المعروف بابن قيّم الجوزيّة، في «كتاب الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن و علوم البيان» ، إذ أفرد القسم الأوّل منه للحديث عن الكناية و المحسّنات البديعية المعنويّة، فيحصي منها نحو ثمانين نوعا، و في القسم الثاني منه يتناول الفصاحة و ما يتعلّق بها من محسّنات بديعية لفظية، أحصى منها أربعة و عشرين نوعا، و لم يكن لابن قيّم الجوزيّة في كتابه هذا سوى فضل الجمع، و إن كان ينقصه بعض الترتيب و التبويب.