خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٢٩ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
بالخفاجيّ؛ ثم جاء بدر الدين بن مالك صاحب كتاب «المصباح في علوم المعاني و البيان و البديع» و هو تلخيص لمفتاح السكاكيّ؛ و أطلق على هذه الوجوه و المحسّنات مصطلح «علم البديع» فكان أوّل من هيّأ لأن تصبح البلاغة متضمنة ثلاثة علوم:
المعاني، و البيان، و البديع [١] ؛ إلاّ أن السّكاكيّ لم يأت في كتابه «مفتاح العلوم» على كلّ المحسّنات البديعية التي كانت سائدة في عصره، بل اقتصر منها على ستّة و عشرين نوعا، لعلّها كانت في نظره أهمّ من غيرها من حيث التأثير في التحسين اللفظي و المعنويّ، كما أنه لم يضف إليها جديدا.
و يطالعنا في هذا القرن أيضا ضياء الدين بن الأثير صاحب كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر» ، الذي قسّمه إلى مقدّمة في علم البيان و مقالتين، إحداهما في الصناعة اللفظية و الثانية في الصناعة المعنويّة. و أوّل ما نلحظه في هذا الكتاب أنه لم ينظر إلى المحسّنات البديعية كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر و الزمخشري و السكاكيّ و من تأثّر بهم، و بالتالي لم يدرسها دراسة منفصلة عن البيان، بل يتوسّع في مفهوم علم البيان ليشمل مباحث علمي المعاني و البديع مجاريا في ذلك مدرسة الجاحظ التي اعتبرت أن «البيان» مرادف لكلمة «البلاغة» .
و من علماء هذا العصر أحمد بن يوسف التيفاشي المغربيّ صاحب مؤلف «البديع في علم البديع» ، و قد أحصى فيه سبعين محسّنا من المحسّنات البديعيّة.
و يليه في هذا العصر زكيّ الدين بن أبي الأصبع المصريّ، و قد تناول البديع في كتابيه «بديع القرآن» و «تحرير التحبير» ، و ذكر أنّه وقف على أربعين كتابا في هذا الفنّ، استقى منها أنواع البديع المعروفة، و زاد عليها أنواعا أخرى، و استخرج عشرين نوعا جديدا، فأورد في «تحرير التحبير» مائة و خمسة و عشرين نوعا، و في «بديع القرآن» مائة و تسعة من أنواع البديع؛ و ما يلاحظ عليه أنّه عالج فنون البديع متداخلة مع كثير من مباحث علمي المعاني و البيان، و قد طغى عليها التحليل المنطقيّ.
و كان علي بن عثمان الإربليّ معاصرا لابن أبي الأصبع المصريّ، و قد نظم قصيدة مدح و غزل من ستة و ثلاثين بيتا في كلّ بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره، و قد وضع بإزاء كلّ بيت اسم المحسّن البديعيّ الذي تضمّنه،
[١] المصباح ص ٧٥.