خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٢٧ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
الجرجاني في كتابيه «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز» ، حيث تهذّب عنده الإحساس الفنّيّ، فوضع نظرية علم المعاني في «دلائل الإعجاز» و نظرية علم البيان في «أسرار البلاغة» . و لهذا يعتبر عبد القاهر الجرجانيّ بحقّ مؤسّس البلاغة العربية، و المشيّد لأركانها، و الموضّح لمشكلاتها، و الذي سار المؤلّفون من بعده على نهجه، و أتمّوا البنيان الذي وضع أسسه؛ إلاّ أنّ عبد القاهر لم يحاول وضع نظرية علم البديع كما فعل بالنسبة لعلمي المعاني و البيان، و رغم ذلك فقد تكلّم في أسرار البلاغة عن ألوان من البديع، و لكن كلامه عنه لم يكن لأغراض بديعيّة بمقدار ما هو لأغراض بيانيّة، و ذلك أنه في «أسرار البلاغة» يحاول الكشف عن المعاني الإضافيّة التي تشتمل عليها الأساليب البيانية من تشبيه و تمثيل و استعارة و مجاز، فكانت رؤيته إلى علم البديع رؤية بعيدة في تحسينه الذاتيّ، إذ تحدّث عن الجناس و السجع، و عيّن موضعهما من الكلام، و متى يأتي كلّ منهما مناسبا و متى يكون نابيا، و راح يثبت أنّ الجمال فيهما لا يرجع إلى جمال الألفاظ من حيث هي، و إنّما يرجع إلى ترتيب المعاني في الذهن ترتيبا يؤثّر في النفس. إلاّ أنّ الجرجانيّ لم يضف إلى من سبقه جديدا، و لكنّ بحثه لتلك الأنواع البديعية كان بطريقة جديدة، لأن استيعابه للبلاغة و الجمال يخالف استيعاب من سبقه.
و ما إن نصل إلى القرن السادس الهجري حتّى نلتقي بجار اللّه محمود بن عمر الزمخشري الذي قدّم في كتابه «الكشاف» صورة رائعة لتفسير القرآن، إذ اتّخذ الزّمخشريّ من آي الذكر الحكيم أمثلة و شواهد يوضّح بها كلّ ما استوعبه من قواعد عبد القاهر الجرجانيّ البلاغيّة، سواء ما اتّصل منها بعلم المعاني أو علم البيان، و بهذا يكون الزمخشريّ هو من أكمل قواعد الجرجانيّ بالإضافات الجديدة التي وفّق إليها. و رغم اعتبار الزمخشريّ رجل بيان لا رجل بديع، فقد استدعاه تفسيره البيانيّ في «الكشّاف» أن يشير إلى ما ورد في بعض آي الذكر الحكيم من فنون البديع.
و من أعلام البديع في القرن السادس الهجري الوطواط رشيد الدين العمري، و أسامة بن منقذ.
أمّا الوطواط فقد ألّف كتابا في البلاغة الفارسية سمّاه «حدائق السحر في دقائق