دليل العروة الوثقى - الشيخ حسين الحلي - الصفحة ٤٤٢ - الثامن الكافر بأقسامه
..........
و الظاهر من جميع ما ذكرنا أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا بحكم اختلاطهم بالكتابيين و معاشريهم لهم يتضايقون من مبايعتهم و معاشرتهم لاعتقادهم ان طعامهم لا يحل لهم فنزلت هذه الآية الشريفة لتحلل لهم استعمال طعامهم و أخذه منهم و ترفع هذه الشبهة عن أذهانهم.
و بالجملة ليس المراد بالحلية في الآية الشريفة ما يقابل مطلق الحرمة و لو كانت عارضية بواسطة النجاسة كما في المائعات التي باشروها [١] و كما في اللبن الموضوع في أواني خمورهم، و كما في الجوامد التي باشروها بالرطوبة، بل المراد ما هو في قبال الحرمة الذاتية فلا ينطبق الا على الحبوب و نحوها من الجامدات فلم يبق إلا الذبيحة، فلو قلنا بشمول الآية الشريفة لذبيحتهم فذلك أمر آخر و هو حلية ذبيحتهم بدعوى عدم اشتراط الإسلام [٢] في الذابح في حصول التذكية و حلية الذبيحة و عدم كونها ميتة فإن ذلك أمر آخر لا دخل له فيما هو المدعى من طهارة أبدانهم.
على انا نقول: إن الذبيحة غير مشمولة للآية الشريفة، لأن ذبيحتنا ليست حلالا لهم لأنهم يستحرمون ذبيحتنا، فلا تدخل في قوله تعالى «وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» و لازمه أن لا تدخل في قوله تعالى وَ طَعٰامُ الَّذِينَ. إلخ إلا أن يدعى دخولها في طعامنا بحمل حليتها لهم على حليتها في الشريعة الإسلامية و إن كانت حراما عليهم
[١] و الشاهد على ذلك ما جاء في كتاب أحكام القرآن لعبد المنعم المتوفى سنة ٥٩٩ ما نصه:
أما سائر أطعمتهم ما يمكن استعمال النجاسات فيه كالخمر، و الخنزير، فاختلف فيه فذهب الأكثرون الى ان ذلك من أطعمتهم و ذهب ابن عباس إلى ان الطعام الذي أحل لنا ذبائحهم، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه فيجب اجتنابه- نقلا عن تفسير المنار- ج ٦ ص ٢٠٢
[٢] كما جاء في العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ج ٢ ص ٩٧ ما نصه: سئل في ذبيحة الحربي الكتابي هل تحل مطلقا أو لا؟ الجواب: تحل ذبيحة الكتابي لان من شرطها كون الذابح صاحب ملة التوحيد حقيقة كالمسلم، أو دعوى كالكتابي؛ و لأنه مؤمن بكتاب من كتب اللّه تعالى و تحل مناكحته فصار كالمسلم في ذلك؛ و لا فرق في الكتابي بين ان يكون ذميا يهوديا؛ حربيا أو عربيا أو تغليبا لإطلاق قوله تعالى: «وَ طَعٰامُ. إلخ» و المراد بطعامهم ذكاهم.