التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - أهم أسباب الوضع
اناس ضعاف العقول، ممّن تساهلوا في أمر الدين، و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، سامحهم اللّه.
أخرج ابن الجوزيّ بإسناده إلى محمود بن غيلان قال: سمعت مؤمّلًا يقول: حدّثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يُروَى عن أُبيّ بن كعب. فقلت للشيخ: مَن حدّثك؟ قال:
حدّثني رجل بالمدائن و هو حيّ، فصرت إليه. فقال: حدّثني شيخ بواسط و هو حيّ، فصرت إليه. فقال: حدّثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه. فقال: حدّثني شيخ بعبادان، فصرت إليه. فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوّفة و معهم شيخ. فقال: هذا الشيخ حدّثني. فقلت: يا شيخ مَن حدّثك؟ فقال: لم يحدّثني أحد، و لكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم إلى القرآن[١].
و من ثمّ قال يحيى بن سعيد القطّان: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
و أوّلَه مسلم بأنّه يجري الكذب على لسانهم و لا يتعمّدون الكذب[٢].
قال القرطبيّ في التذكار لا التفات لما وضعه الواضعون و اختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة و الأخبار الباطلة في فضل سور القرآن، و غير ذلك من فضائل الأعمال، و قد ارتكبها جماعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة- كما زعموا- يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزيّ و محمّد بن عكاشة الكرمانيّ، و أحمد بن عبد اللّه الجويباريّ، و غيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضل سور القرآن سورةً سورةً؟ فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه أبي حنيفة و مغازي محمّد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبةً!
و قال: قد ذكر الحاكم و غيره من شيوخ المحدّثين: أنّ رجلًا من الزهّاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن و سوره. فقيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: رأيت الناس زهدوا في
[١] -. الموضوعات، ج ١، ص ٢٤١؛ اللئالئ المصنوعة، ج ١، ص ٢٢٧- ٢٢٨.
[٢] -. صحيح مسلم المقدّمة: الحديث، ج ١، ص ١٣- ١٤، رقم ٤٠.