التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٧ - هل تجوز مراجعة أهل الكتاب؟
حاضِرَةَ الْبَحْرِ»، و قوله: «فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ»، و قوله: «سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ»[١].
قال: كلّ ما تقدّم من أمر اللّه لنبيّه صلى الله عليه و آله و سلم بسؤال أهل الكتاب، يدلّ على جواز الرجوع إليهم، و لكن لا في كلّ شيء، بل فيما لم تصل له يد التحريف و التبديل من الحقائق التي تصدّق القرآن و تلزم المعاندين منهم و من غيرهم الحجّة[٢].
قال: و على هذا فما جاء موافقا لما في شرعنا تجوز روايته، و عليه تحمل الآيات الدالّة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب، و عليه أيضا يُحمل قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج»؛ إذ المعنى: حدّثوا عنهم بما تعلمون صدقه.
و أمّا ما جاء مخالفا لما في شرعنا أو كان لا يصدّقه العقل، فلا تجوز روايته؛ لأنّ حديث الإباحة لا يتناول ما كان كذبا. و أمّا ما سكت عنه شرعنا، و لم يكن ما يشهد لصدقه و لا لكذبه و كان محتملًا، فحكمه أن نتوقّف في قبوله فلا نصدّقه و لا نكذّبه؛ و على هذا يُحمل قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم». أمّا روايته فجائز على أنّها مجرّد حكاية لما عندهم؛ لأنّها تدخل في عموم الإباحة المفهومة، من قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج»[٣].
و أضاف قائلًا: ما ثبت من أنّ بعض الصحابة كأبي هريرة و ابن عبّاس، كانوا يراجعون بعضَ من أسلم من أهل الكتاب، يسألونهم عمّا في كتبهم، و ما روي من أنّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدّث منهما، لا يعارض ما رواه البخاريّ من إنكار ابن عبّاس على من يسأل أهل الكتاب.
و لا ما رواه عبد الرزّاق في مسنده عن ابن مسعود من نهيه عن سؤال أهل الكتاب بقوله: «لا تسألوا أهل الكتاب، فإنّهم لن يهدوكم و قد أضلّوا أنفسهم».
و لا ما رواه أحمد من إنكار الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على عمر لمّا أتاه بكتاب أصابه من بعض
[١] -. الإسرائيليّات فى التفسير و الحديث، الذهبيّ، ص ٦٠- ٦١؛ الأعراف ١٦٣: ٧؛ الإسراء( ١٧): ١٠١؛ البقرة( ٢): ٢١١.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٦٣.
[٣] -. المصدر نفسه، ص ٦٤- ٦٥.