التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - ٢٤ الإسرائيليات في قصة«إرم ذات العماد»
و روى وهب بن منبّه عن عبد اللّه بن قلابة: أنّه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها- يعني مدينة «إرم»-، فحمل منها ما قدر عليه، و بلغ خبره معاوية، فاستحضره، و قصّ عليه، فبعث إلى كعب الأحبار، فسأله عنها فقال: هي إرم ذات العماد، و سيدخلها رجل من المسلمين في زمانه أحمر، أشقر، قصير، على حاجبه خال، ثمّ التفت، فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا و اللّه ذاك الرجل[١].
و هذه القصّة موضوعة، كما نبّه إلى ذلك الحفّاظ، و آثار الوضع لائحة عليه، و كذلك ما روي: أنّ «إرم» مدينة دمشق، و قيل: مدينة الإسكندريّة. قال السيوطيّ في الدرّ المنثور:
و أخرج عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: «إرم» هى دمشق، و أخرج ابن جرير، و عبد بن حميد، و ابن عساكر عن سعيد المقبريّ مثله، و أخرج ابن عساكر، عن سعيد بن المسيّب، مثله، قال: و أخرج ابن جرير، و ابن المنذر، عن محمّد بن كعب القرظيّ، قال: «إرم» هي الإسكندريّة[٢].
و كلّ ذلك من خرافات بني إسرائيل، و من وضع زنادقتهم، ثمّ رواها مسلمة أهل الكتاب فيما رووا، و حملها عنهم بعض الصحابة و التابعين، و ألصقت بتفسير القرآن الكريم.
قال ابن كثير في تفسيره: و من زعم أنّ المراد بقوله: «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ»: مدينة إمّا دمشق، أو إسكندريّة، أو غيرهما، ففيه نظر، فإنّه كيف يلتئم الكلام على هذا «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ» أن جُعل بدلًا أو عطف بيان؟[٣] فإنّه لا يتّسق الكلام حينئذ، ثمّ المراد: إنّما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسمّاة بعاد، و ما أحلّ اللّه بهم من بأسه الذي لا يُردّ، لا أنّ المراد: الإخبار عن مدينة أو إقليم، و إنّما نبّهت على ذلك لئلّا يغترّ بكثير ممّا ذكره جماعة من المفسّرين عن هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنيّة
[١] -. راجع: الكشّاف، ج ٤، ص ٧٤٨ عند تفسير هذه الآية؛ تفسير البغويّ، ج ٥، ص ٢٤٩، و النسفيّ، و الخازن عند تفسير هذه الآية.
[٢] -. الدرّ المنثور، ج ٦، ص ٣٤٧.
[٣] -. أي لفظ إرم، بدل من عاد أو عطف بيان.