التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٩ - مبدأ نشر الإسرائيليات
استمالة العوامّ، فجعلوا يختلقون القصص و الأساطير الخرافيّة، و روّجوا الأباطيل. و في هذا الكثير من الإسرائيليّات و الخرافات العامّيّة، ما يتصادم مع العقيدة الإسلاميّة، و قد تلقّفها الناس منهم؛ لأنّ من طبيعة العوام الميل إلى العجائب و الغرائب.
يقول ابن قتيبة بشأن القصّاصين و شعوذتهم:
إنّهم يميلون وجه العوامّ إليهم، و يستدرّون ما عندهم بالمناكير و الأكاذيب من الأحاديث. و من شأن العوامّ القعود عند القاصّ ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب. فإن ذكر الجنّة قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران، و عجيزتها ميل في ميل، ويبوِّئ اللّه وليّه قصرا من لؤلؤة بيضاء، فيها سبعون ألف مقصورة، في كلّ مقصورة سبعون ألف قبّة، و لا يزال هكذا في السبعين ألفا، لا يتحوّل عنها[١].
و من هؤلاء القُصّاص، من كان يبتغي الشهرة و الجاه بين الناس. و منهم، من كان يقصد التعيّش و الارتزاق. و منهم، من كان سيّئ النيّة خبيث الطويّة، يقصد الإفساد في عقائد الناس، و ربّما حَجْب جمال القرآن و تشويه سمعة الإسلام، بما يأتي من تفاسير باطلة و خرافات تتنافى العقول.
قال أبو شهبة: و قد حدثت بدعة القصّ في آخر عهد عمر، و فيما بعد صارت حرفة، و دخل فيه من لا خلاق له في العلم، و قد ساعدهم على الاختلاق، أنّهم لم يكونوا من أهل الحديث و الحفظ، و غالب من يحضرهم جُهّال. فجالوا و صالوا في هذا الميدان و أتوا بما لا يقضي منه العجب[٢].
و يظهر أنّه اتّخذ القَصَص أداةً سياسيّة وراء ستار التذكير و الترهيب، يستعين بها أرباب السياسات في دعم سياساتهم و توجيه العامّة نحوها، كالتي نشاهدها. و قد حدثت في عهد معاوية، و هو أوّل من أبدع مزج السياسة بالوعظ الإرشاديّ، و من ثَمَّ ارتفع شأن القصص حتّى أصبح عملًا رسميّا يعهد إلى رجال رسميّين يُعطَون عليه أجرا. و في كتاب
[١] -. تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص ٢٧٩- ٢٨٠.
[٢] -. الإسرائيليّات و الموضوعات، ص ٨٩- ٩٠.