التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٩ - منهجه في التفسير
مثلًا، في قوله تعالى: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ»[١]
يقول: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» أي شهد عليها بأنّها لا تقبل الحقّ. يقول القائل: أراك تختم على كلّ ما يقول فلان، أي تشهد به و تصدّقه، و ذلك استعارة. و قيل: «ختم» بمعنى طبع فيها أثرا للذنوب، كالسمة و العلامة، لتعرفها الملائكة فيتبرّأوا منهم، و لا يوالوهم، و لا يستغفروا لهم. و قيل: المعنى أنّه ذمّهم بأنّها كالمختوم عليها في أنّها لا يدخلها الإيمان، و لا يخرج عنها الكفر. قال الشاعر:
|
لقد أسمعت لو ناديت حيّا |
ولكن لا حياة لمن تنادي[٢] |
|
و عند قوله: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ»[٣] يقول: و المعنى أنّهم صمّ عن الحقّ لا يعرفونه؛ لأنّهم كانوا يسمعون بآذانهم. و بكم عن الحقّ لا ينطقون. مع أنّ ألسنتهم صحيحة، عمي لا يعرفون الحقّ و أعينهم صحيحة، كما قال: «وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ»[٤]. قال: و هذا يدلّ على أنّ قوله: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» و «طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها»[٥] ليس هو على وجه الحيلولة بينهم و بين الإيمان؛ لأنّه وصفهم بالصمّ و البكم و العمى مع صحّة حواسّهم، و إنّما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر و استثقالهم للحقّ و الإيمان، كأنّهم ما سمعوه و لا رأوه، فلذلك قال: «طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ»[٦] و «أَضَلَّهُمُ»[٧] و «أصمهم وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ»[٨] و «جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً»[٩] و «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ»[١٠]. و كان ذلك إخبارا عمّا أحدثوه عند امتحان اللّه إيّاهم، و أمره لهم بالطاعة و الإيمان؛ لإنّه ما فعل بهم ما منعهم من الإيمان.
و قد يقول الرجل: حبّ المال قد أعمى فلانا و أصمّه، و لا يريد بذلك نفي حاسّته،
[١] -. البقرة ٧: ٢.
[٢] -. التبيان، ج ١، ص ٦٤.
[٣] -. البقرة ١٨: ٢.
[٤] -. الأعراف ١٩٨: ٧.
[٥] -. النساء ١٥٥: ٤.
[٦] -. التوبة ٩٣: ٩؛ النحل( ١٦): ١٠٨؛ محمّد( ٤٧): ١٦.
[٧] -. طه ٨٥: ٢٠.
[٨] -. محمّد ٢٣: ٤٧.
[٩] -. الأنعام ٢٥: ٦؛ الإسراء( ١٧): ٤٦؛ الكهف( ١٨): ٥٧.
[١٠] . الصفّ ٥: ٦١.