التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٢ - ٧ الإسرائيليات في قصة التيه
٧. الإسرائيليّات في قصّة التيه
فمن هذه الأخبار العجيبة التي رويت في قصّة التيه، ما رواه ابن جرير بسنده عن الربيع، قال: لمّا قال لهم القوم ما قالوا، و دعا موسى عليهم، أوحى اللّه إلى موسى: إنّها محرّمة عليهم أربعين سنة، يَتيهون في الأرض، فلا تأسَ على القوم الفاسقين، و هم يومئذ ستّ مائة ألف مقاتل؛ فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كلّ يوم جادّين، لكي يخرجوا منها، حتّى يمسوا و ينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، و أنّهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فانزل عليهم المنّ و السلوى[١]، و اعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشيفتكون معه على هيئته.
و سأل موسى ربّه أن يسقيهم، فأتى «بحجر الطور»، و هو حجر أبيض، إذا ما أنزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينا، لكلّ سبط منهم عين، قد علم كلّ اناس مشربهم. و كذلك روى: أنّ ثيابهم ما كانت تُبلى، و لا تتّسخ. و كذلك نقل بعض المفسّرين كالزمخشريّ و غيره: بأنّهم كانوا ستّ مائة ألف، و سعة المعسكر اثنا عشر ميلًا.
و كذلك ذكروا أنّ الحجر كان من الجنّة، و لم يكن حجرا أرضيّا. و منهم من قال: كان على هيئة رأس إنسان. و منهم من قال: كان على هيئة رأس شاة. و قيل: كان طوله عشرة أذرع، و له شعبتان تتّقدان في الظلام، إلى غير ذلك من تزيّدات بني إسرائيل. و ليس في القرآن ما يدلّ على هذا الذي ذكروه في وصف الحجر، مع أنّه لو أُريد بالحجر الجنس، و أن يضرب أيّ حجر ما؛ لكان أدلّ على القدرة، و أظهر في الإعجاز.
و قد لاحظ ابن خلدون- من قبل- المَغالطَ التي تدخل في مثل هذه المرويّات، فقال في مقدّمته المشهورة:
اعلم أنّ فنّ التاريخ فنّ عزيز المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الامم في أخلاقهم، و الأنبياء في سيرهم، و الملوك في دولهم،
[١] -. المنّ: شيء كالعسل كان ينزل على الشجر من السماء فيأخذونه و يأكلونه، و السلوى: طير كالسَمانيّ.