التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٠ - إمام المشككين
العلم بعدمه تكليف بالجمع بين النفي و الإثبات[١].
قلت: و لعلّ إمامنا الرازيّ طاعن في ضلاله القديم أو متظاهر بذلك.
*** و من ذلك أيضا، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: «قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ»[٢].
قال: احتجّ أصحابنا بهذه الآية في بيان أنّه لا يجب على اللّه رعاية مصالح العبد في دينه و لا في دنياه، و تقريره: أنّ إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله اللّه تعالى، ثمّ بيّن أنّه إنّما استمهله لإغواء الخلق و إضلالهم و إلقاء الوساوس في قلوبهم، و كان تعالى عالما بأنّ أكثر الخلق يطيعونه و يقبلون وسوسته، كما قال تعالى: «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[٣] فثبت بهذا أنّ إنظار إبليس و إمهاله هذه المدّة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة و الكفر الكبير، فلو كان تعالى مراعيا لمصالح العباد لامتنع أن يُمهله و أن يمكّنه من هذه المفاسد، فحيث أنظره و أمهله، علمنا أنّه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلًا.
و ممّا يقوي ذلك أنّه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق، و علم من حال إبليس أنّه لا يدعو إلّا إلى الكفر و الضلال، ثمّ إنّه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق، و أبقى إبليس و سائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر و الباطل، و من كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.
قالت المعتزلة: اختلف شيوخنا في هذه المسألة، فقال الجبّائي: إنّه لا يختلف الحال بسبب وجوده و عدمه، و لا يضلّ بقوله أحد إلّا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضلّ أيضا.
و الدليل عليه قوله تعالى: «ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ»[٤]؛ و لأنّه لو ضلّ به أحد لكان بقاؤه مفسدة. و قال أبو هاشم: يجوز أن يضلّ به قوم، و يكون خلقه جاريا
[١] -. راجع: التفسير الكبير، ج ٢، ص ٤٢- ٤٧.
[٢] -. الأعراف ١٤: ٧- ١٦.
[٣] -. سبأ ٢٠: ٣٤.
[٤] -. الصافّات ١٦٢: ٣٧- ١٦٣.