التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - إمام المشككين
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً»[١]، و قوله: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ»[٢] احتجّوا بأمثال هذه الآيات على جواز تكليف ما لا يطاق.
ثمّ أخذ في تقرير هذا الاحتجاج من وجوه خمسة:
أوّلًا: أنّه تعالى أخبر عن أشخاص معيّنين أنّهم لا يؤمنون قطّ، فلو صدر منهم الإيمان، لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذبا.
و ثانيا: أنّه تعالى لمّا علم منهم الكفر، فكان صدور الإيمان منهم مستلزما لانقلاب علمه تعالى جهلًا.
و ثالثا: أنّ وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان؛ لأنّه إنّما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم، و العلم بعدم الإيمان إنّما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان، لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا و معدوما معا، و هو محال، فالأمر بالإيمان مع وجود علم اللّه تعالى بعدم الإيمان، أمر بالجمع بين الضدّين، بل بالجمع بين العدم و الوجود، و كلّ ذلك محال.
و رابعا: أنّه تعالى كلّف هؤلاء- الذين أخبر عنهم بأنّهم لا يؤمنون- بالإيمان البتّة، و الإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، و ممّا أخبر عنه أنّهم لا يؤمنون قطّ، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون قطّ، و هذا تكليف بالجمع بين النفي و الإثبات.
و خامسا: أنّه تعالى عاب الكفار على أنّهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللّه عنه في قوله «يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ»[٣]
فثبت أنّ القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه تعالى عن عدم تكوينه، قصد لتبديل كلام اللّه، و ذلك منهيّ عنه. و هاهنا أخبر اللّه تعالى عنهم بأنّهم لا يؤمنون البتّة، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام اللّه، و ذلك منهيّ عنه. و ترك محاولة الإيمان يكون أيضا
[١] -. المدّثّر ١١: ٧٤- ١٧.
[٢] -. المسد ١: ١١١.
[٣] -. الفتح ١٥: ٤٨.