التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - ٢٣ الإسرائيليات في قصة أيوب عليه السلام
عليه من السور، و لم يدخلا من المدخل المعتاد، فارتاع منهما، و فزع فزعا لا يليق بمثله من المؤمنين، فضلًا عن الأنبياء المتوكّلين على اللّه غاية التوكّل، الواثقين بحفظه، و رعايته، و ظنّ بهما سوءا، و أنّهما جاءا ليقتلاه، أو يبغيا به شرّا، و لكن تبيّن له أنّ الأمر على خلاف ما ظنّ، و أنّهما خصمان جاءا يحتكمان إليه. فلمّا قضى بينهما، و تبيّن له أنّهما بريئان ممّا ظنّه بهما، استغفر ربّه، و خرّ ساجدا للّه تعالى تحقيقا لصدق توبته و الإخلاص له، و أناب إلى اللّه غاية الإنابة.
و مثل الأنبياء في علوّ شأنهم، و قوّة ثقتهم باللّه و التوكّل عليه أن لا تُعلّق نفوسهم بمثل هذه الظنون بالأبرياء، و مثل هذا الظنّ و إن لم يكن ذنبا في العادة، إلّا أنّه بالنسبة للأنبياء يعتبر خلاف الأَولى و الأليق بهم، و قديما قيل: «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»، فالرجلان خصمان حقيقة، و ليسا ملكين كما زعموا، و النعاج على حقيقتها، و ليس ثمّة رموز و لا إشارات.
و هذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن و يتّفق و عصمة الأنبياء، فالواجب الأخذ به، و نبذ الخرافات و الأباطيل، التي هي من صنع بني إسرائيل، و تلقّفها القُصّاص و أمثالهم ممّن لا علم عندهم، و لا تمييز بين الغثّ و السمين.
*** ٢٣. الإسرائيليّات في قصّة أيوب عليه السلام
و من القصص التي تزيّد فيها المتزيّدون، و استغلّها القصّاصون، و أطلقوا فيها لخيالهم العنان: قصّة سيّدنا أيّوب عليه السلام، فقد رووا فيها ما عصم اللّه أنبياءه عنه. و صوّروه بصورة لا يرضاها اللّه لرسول من رسله.
فقد ذكر بعض المفسّرين عند تفسير قوله تعالى: «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنَّا