التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - أقسام الوضاعين
أبيه قال: سمعت محمّد بن سعيد يقول: لا بأس إذا كان الكلام حسنا أن تضع له إسنادا.
و منهم قوم وضعوا الحديث تزلّفا إلى سلطان أو نيلًا إلى نوال، كما وضع غياث بن إبراهيم حديث «لا سبق إلّا في نصل أو خفّ أو حافر أو جناح» تزلّفا إلى المهديّ، و كان يحبّ الحمام.
و منهم من كان يضع الحديث جوابا لسائليه ليُحظى منزلة رفيعة لديه.
و منهم من كان يضع الحديث لقدح أو مدح في اناس لأغراض مختلفة، كالأحاديث الموضوعة في قدح و مدح الشافعيّ و أبي حنيفة.
و منهم من كان يضع الغريب من الحديث، استجلابا لأنظار العامّة، كما كان يفعله القُصّاص؛ و معظم البلاء منهم يجري، لأنّهم يزيدون أحاديث تثقف و ترقّق، و الصحاح يقلّ فيها هذا. لا جرم كان القُصّاص شديدي النعير ساقطي الجاه، لا التفات إليهم، ليست لهم دنيا و لا آخرة.
و من هؤلاء القُصّاص شحّاذون، يضعون الحديث و يسندونه إلى من شاؤوا، و لا سيّما من كان معروفا لدى العامّة بالجاه و القبول.
قال جعفر بن محمّد الطيالسيّ: صلّى أحمد بن حنبل و يحيى بن معين في مسجد الرصافة. فقام بين أيديهم قَصّاص، فقال: حدّثنا أحمد بن حنبل و يحيى بن معين، قالا:
حدّثنا عبد الرزّاق عن معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من قال: لا إله إلّا اللّه، خلق اللّه كلّ كلمة منها طيرا منقاره من ذهب و ريشه من مرجان ...» و أخذ في قصّة نحو عشرين ورقة. فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، و يحيى ينظر إلى أحمد، فقال له:
أنت حدّثته بهذا؟ فقال: واللّه ما سمعت بهذا إلّا الساعة، فلمّا فرغ من قصصه و أخذ القطيعات، ثمّ قعد ينتظر بقيّتها، أشار إليه يحيى بيده أن تعال، فجاء متوهّما النوال. فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل و يحيى بن معين. فقال: أنا يحيى و هذا أحمد، ما سمعنا بهذا قطّ في حديث رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فإن كان لا بدّ و الكذب فعلى غيرنا! فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم.