التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - ٦ خرافة عوج بن عوق
ولد زنيّة، و أنّه امتنع من ركوب سفينة نوح، و أنّ الطوفان لم يصل إلى ركبتيه. و هذا كذب و افتراء، فإنّ اللّه تعالى ذكر: أنّ نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً»[١]. و قال تعالى: «فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ»[٢]. و قال تعالى: «لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ»[٣]، و إذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عُوج بن عُنق، و هو كافر، و ولد زنيّة؟! هذا لا يسوغ في عقل، و لا شرع، ثمّ في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق، نظر، و اللّه أعلم[٤].
و قال ابن قيّم الجوزيّة، بعد أن ذكر حديث عُوج: «و ليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث، و كذب على اللّه، و إنّما العجب ممّن يدخل هذا في كتب العلم من التفسير و غيره، فكلّ ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء، و السخريّة بالرسل و أتباعهم».
قال أبو شهبة: و سواء أ كان عُوج بن عُوق شخصيّة وجدت حقيقة، أو شخصيّة خياليّة، فالذي ننكره هو: ما أضفوه عليه من صفات و ما حاكوه حوله من أثواب الزور و الكذب و التجرُّؤ، على أن يفسّر كتاب اللّه بهذا الهراء. و ليس في نصّ القرآن ما يشير إلى ما حكوه و ذكروه، و لو من بُعد، أو وجه الاحتمال، ثمّ أين زمن نوح من زمن موسى عليهماالسلام و ما يدلّ عليه آية: «قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها»[٥] كان في زمن موسى قطعا، و لا مرية في هذا، فهل طالت الحياة بعوج حتّى زمن موسى؟! بل قالوا:
إنّ موسى هو الذي قتله، ألا لعن اللّه اليهود، فكم من علم أفسدوا و كم من خرافات و أباطيل وضعوا[٦].
قلت: و سامح اللّه اولئك الذين نقلوا هذه الأساطير و دبّجوها في مدوّناتهم!!
[١] -. نوح ٢٦: ٧١.
[٢] -. الشعراء ١١٩: ٢٦- ١٢٠.
[٣] -. هود ٤٣: ١١.
[٤] -. تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٣٨.
[٥] -. المائدة ٢٢: ٥.
[٦] -. الإسرائيليّات و الموضوعات، ص ١٨٧.