التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٥ - ظاهرة تداعي المعاني
رقائق الفِكَر سنحت لهم بالمناسبة، و من غير أن تكون مدلولة ذاتيّة للكلام ما عدى الفحوى العامّ.
فكم من طرائف فكر و ظرائف عبر تسنح أذهان ذوي الاعتبار، بمجرّد أن واجهوا حادثة أو شاهدوا واقعة أوقفتهم عند حدّها و ألزمتهم حجّتها فأخذوا منها دروسا و عبرا.
و هكذا عند استماع تلاوة أو قراءة آية ذكّرتهم مكارم أخلاق و مبادي آداب، كان كلّ ذلك من قبيل تداعي المعاني، الخارج من دلالة اللفظ ذاته، بل الشيء قد يُذكر بالشيء، حتّى و لو كان ضدّه، فضلًا عمّا لو كان نظيره.
مثلًا: عند ما يستمع العارف السالك إلى قوله تعالى- خطابا مع موسى و هارون-:
«اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى»[١]، ينسبق إلى ذهنه بادرة ضرورة تهذيب النفس و ارعوائها عن الطغيان و العصيان قبل كلّ شيء.
فيخاطب نفسه: ما بالك أنت، منشغلًا عن فرعنة نفسك الطاغية، فاذهب إليها و اجمع جموعك في تهذيبها و ترويضها، و لاطف معها بلين، لعلّها تتّعظ و ترعوي و ترضخ لإرشادات العقل الحكيم.
فهذا لم يفسّر القرآن و لا جعل فرعون مرادا به النفس الأمّارة بالسوء، و لا موسى و هارون كلّ إنسان لبيب حكيم. بل خطر إلى ذهنه هذا المعنى، متّعظا و متذكّرا من فحوى الآية بالمناسبة.
يقول الإمام الحافظ تقيّ الدين ابن الصلاح- في فتاواه و قد سئل عن كلام الصوفيّة في القرآن-: «الظنّ بمن يوثق به منهم أنّه إذا قال شيئا من أمثال ذلك، أنّه لم يذكره تفسيرا و لا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم؛ فإنّه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنيّة، و إنّما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإنّ النظير يذكر بالنظير. و من ذلك قتال النفس في الآية الكريمة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ
[١] -. طه ٤٣: ٢٠- ٤٤.