التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٢ - اعتماده على التأويل و التمثيل
الإنسان إلّا أن يكون محتملًا لها لا يؤدّيها، ثمّ وُصف بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة، و بالجهل، لإخطائه ما يسعده مع تمكّنه منه، و هو أداؤها.
و الثاني: أنّ ما كلّفه الإنسان بلغ من عظمه و ثقل محمله، أنّه عرض على أعظم ما خلق اللّه من الأجرام و أقواه و أشدّه، أن يتحمّله و يستقلّ به، فأبى حمله و الاستقلال به و أشفق منه. و حمله الإنسان على ضعفه و رخاوة قوّته. إنّه كان ظلوما جهولًا؛ حيث حمل الأمانة ثمّ لم يف بها، و ضمنها ثمّ خاس بضمانه فيها[١].
قال: و نحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب، و ما جاء القرآن إلّا على طرقهم و أساليبهم. و من ذلك قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب، لقال: أُسوّي العوج. و كم لهم من أمثال على ألسنة البهائم و الجمادات. و تصوّر مقالة الشحم محال، و لكنّ الغرض أنّ السمن في الحيوان ممّا يحسّن قبيحه، كما أنّ العجف ممّا يقبّح حسنه. فصوّر أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع، و هي به آنس، و له أقبل، و على حقيقته أوقف.
و كذلك تصوير عظم الأمانة و صعوبة أمرها و ثقل محملها و الوفاء بها.
و هنا تقوم أمام الزمخشريّ صعوبات و مشاكلّ، يصوّرها لنا في سؤاله:
فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد: أراك تقدّم رِجلًا و تؤخّر اخرى؛ لأنّه مُثِّلت حاله في تميّله و ترجّحه بين الرأيين، و تركه المضيّ على أحدهما بحال من يتردّد في ذهابه، فلا يجمع رجليه للمضيّ في وجهه. و كلّ واحد من الممثَّل و الممثَّل به، شيء مستقيم، داخل تحت الصحّة و المعرفة. و ليس كذلك ما في هذه الآية، فإنّ عرض الأمانة على الجماد و إباءه و إشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال. و ما مثال هذا إلّا أن تُشبّه شيئا، و المشبَّه به غير معقول.
و لكنّ الزمخشريّ لا توقفه هذه الصعوبات، بل نراه يتخلّص منها بكلّ دقّة و براعة؛
[١] -. خاس به يخيس و يخوس: غدر به. خاس بالعهد، إذا نكث.