التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٩ - موقفه من حقيقة الملائكة و الشياطين
فإذا صحّ الجري على هذا التفسير، فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أنّ اللّه تعالى لمّا خلق الأرض و دبّرها بما شاء من القوى الروحانيّة التي بها قوامها و نظامها، و جعل كلّ صنف من القوى مخصوصا بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعدّاه و لا يتعدّى ما حدّد له من الأثر الذي خصّ به، خلق بعد ذلك الإنسان، و أعطاه قوّة يكون بها مستعدّا للتصرّف بجميع هذه القوى، و تسخيرها في عمارة الأرض، و عبّر عن تسخير هذه القوى له بالسجود، الذي يفيد معنى الخضوع و التسخير، و جعله بهذا الاستعداد الذي لا حدّ له، و التصرّف الذي لم يُعط لغيره، خليفة اللّه في أرضه؛ لأنّه أكمل الموجودات في الأرض، و استثنى من هذه القوى قوّة واحدة، عبّر عنها بإبليس، و هي القوّة التي لزّها اللّه بهذا العالم لزّا، و هي التي تميل بالمستعدّ للكمال، أو بالكامل إلى النقص، و تعارض مدّ الوجود لتردّه إلى العدم، أو تقطع سبيل البقاء، و تعود بالموجود إلى الفناء، أو التي تعارض في اتّباع الحقّ، و تصدّ عن عمل الخير، و تنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع و المصالح التي تتمّ بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجوديّ التي خلق مستعدّا للوصول إليها، تلك القوّة التي ضلّلت آثارها قوما فزعموا أنّ في العالم إلها يسمّى إله الشرّ، و ما هي بإله، و لكنّها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلّا هو.
و لو أنّ نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل، لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك، و العمدة على اطمينان القلب و ركون النفس إلى ما أبصرت من الحقّ»[١].
ثمّ يعود في موضع آخر إلى تقرير التمثيل في القصّة، فيقول: «و تقرير التمثيل في القصّة على هذا المذهب هكذا: إنّ إخبار اللّه الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض و قوى هذا العالم و أرواحه التي بها قوامه و نظامه، لوجود نوع من المخلوقات يتصرّف فيها، فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض. و سؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض؛ لأنّه يعمل باختياره، و يُعطى استعدادا في العلم و العمل
[١] -. المنار، ج ١، ص ٢٦٧- ٢٦٩.