التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٠ - التعريف بهذا التفسير
*** و إليك من تفاسير ابن عربيّ معتمدة على نظريّة وحدة الوجود، جاءت في سائر كتبه:
قال في تفسير قوله تعالى: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ»[١]: لأنّه لا ينطق إلّا عن اللّه، بل لا ينطق إلّا باللّه، بل لا ينطق إلّا اللّه منه، فإنّه صورته[٢].
و في تفسير قوله تعالى: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي»[٣]، يقول: و ادخلي جنّتي التي هي ستري، و ليست جنّتي سواك، فأنت تسترني بذاتك الإنسانيّة، فلا أُعرَف إلّا بك، كما أنّك لا تكون إلّا بي، فمن عرفك عرفني، و أنا لا أُعرَف فأنت لا تُعرف، فإذا دخلت جنّته دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة اخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربّك بمعرفتك إيّاها، فتكون صاحب معرفتين، معرفةً به من حيث أنت، و معرفة به بك من حيث هو لا من حيث أنت، فأنت عبد و أنت ربّ لمن له فيه أنت عبد، و أنت ربّ و أنت عبد لمن له في الخطاب عهد[٤].
و في تفسير قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها»[٥] يقول: إنّ النفس لا تزكو إلّا بربّها، فيه تُشرّف و تُعظّم في ذاتها؛ لأنّ الزكاة ربو، فمن كان الحقّ سمعه و بصره و جميع قواه، و الصورة في الشاهد صورة خلق، فقد زكت نفس من هذا نعته و ربت و أنبتت من كلّ زوج بهيج، كالأسماء الإلهيّة للّه، و الخلق كلّه بهذا النعت في نفس الأمر، و لولا أنّه هكذا في نفس الأمر ما صحّ لصورة الخلق ظهور و لا وجود؛ و لذلك خاب من دسّاها؛ لأنّه جهل ذلك فتخيّل أنّه دسَّها في هذا النعت، و ما علم أنّ هذا النعت لنفسه نعت ذاتيّ لا ينفكّ عنه يستحيل زواله، لذلك وصفه بالخيبة؛ حيث لم يعلم هذا؛ و لذلك قال: قد أفلح، ففرض له البقاء. و البقاء ليس إلّا للّه أو لما كان عند اللّه، و ما ثمّ إلّا اللّه أو ما هو عنده،
[١] -. النساء ٨٠: ٤.
[٢] -. الفتوحات المكّيّة، ج ٤، ص ١٢٢.
[٣] -. الفجر ٢٧: ٨٩- ٣٠.
[٤] -. فصوص الحكم، ج ١، ص ١٩١- ١٩٣ التفسير و المفسّرون، ج ٢، ص ٣٤٢.
[٥] -. الشمس ٩: ٩١- ١٠.