التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - أهم أسباب الوضع
يحاول الانتشال من مقامه الوضيع ليتسنّى له المقابلة مع مثل أمير المؤمنين عليه السلام فكان يجعل الجعائل للوضع في تفضيله و تفضيل بلاده التي كان يحكمها، و حاضرة ملكه، كان يجهد جهده في ذلك.
قال أبو ريّة: و معاوية- كما هو معروف- أسلم هو و أبوه يوم فتح مكّة، فهو بذلك من الطلقاء. و كان كذلك من المؤلّفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون ثمنا لإسلامهم. و هو الذي هدم مبدأ الخلافة الرشيدة في الإسلام، فلم تقم لها من بعده إلى اليوم قائمة. و قد اتّخذ دمشق حاضرةً لملكه، و قد وضعوا فيه و في تفضيل الشام أحاديث نسبوها إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم نذكر منها: ما أخرجه الترمذيّ أنّ النبيّ قال لمعاوية: اللّهمّ اجعله هاديا مهديّا.
و في حديث آخر أنّ النبيّ قال: اللّهمّ علّمه الكتاب و الحساب و قِهِ العذاب- و هناك زياده-: و أدخله الجنّة.
و على كثرة ما جاء في فضائل معاوية من أحاديث لا أصل لها، فإنّ إسحاق بن راهويه و هو الإمام الكبير و شيخ البخاريّ قد قال: إنّه لم يصحّ في فضائل معاوية شيء[١].
و للعلّامة الأمينيّ هنا مقال ضاف بشأن المغالاة في فضائل معاوية، و قد أردفها بما ورد في ذَمّه من أحاديث صحاح لا مغمز في إسنادها، جعلنا في غنىً عن الكلام فيه هنا، فراجع[٢].
و هكذا ذكر الاستاذ أبو ريّة: أنّ إشادة كهّان اليهود- يريد كعبا و أذنابه- إلى أنّ ملك النبيّ سيكون بالشام إنّما هو لأمر خبئ في أنفسهم. و قد تبيّن أنّ الشام ما كان لينال من الإشادة بذكره و الثناء عليه، إلّا لقيام دولة بني اميّة فيه، تلك الدولة التي قلبت الحكم من خلافة عادلة إلى ملك عضوض، و التي تحت كنفها و في أيّامها نشأت الفرق الإسلاميّة التي فتّت في عضد الدولة الإسلاميّة و مزّقتها تمزيقا، و استفاض فيها وضع الحديث.
فكان جديرا بكهنة اليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة و ينفخوا في نار الفتنة، و يمدّوها
[١] -. أضواء على السنّة المحمّديّة، ص ١٢٨.
[٢] -. الغدير، ج ١٠، ص ١٣٨، فما بعد.