التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٠ - ٦ خرافة عوج بن عوق
عند ذكر الجبّارين: قصّة عُوج بن عُوق، و أنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، و أنّه كان يمسك الحوت، فيشويه في عين الشمس، و أنّ طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه[١]، و أنّه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، و أنّ موسى كان طوله عشرة أذرع و عصاه عشرة أذرع، و وثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عُوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل سنة، إلى نحو ذلك من الخرافات، و الأباطيل التي تصادم العقل و النقل، و تخالف سنن اللّه في الخليقة.
فمن تلك الروايات الباطلة المخترعة ما رواه ابن جرير بسنده عن أسباط، عن السُدّيّ، في قصّة ذكرها من أمر موسى و بني إسرائيل، و بعث موسى النقباء الاثني عشر، و فيها: فلقيهم رجل من الجبّارين يقال له: عُوج، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في حجزته[٢]، و على رأسه حملة حطب، و انطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنّهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟، فقالت امرأته: بل خلِّ عنهم، حتّى يُخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك. و كذلك ذكر مثل هذا و أشنع منه غير ابن جرير و السيوطيّ بعضُ المفسّرين و القصّيصين، و هي كما قال ابن قتيبة:
أحاديث خرافة، كانت مشهورة في الجاهليّة، أُلصقت بالحديث بقصد الإفساد[٣].
و إليك ما ذكره الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره، قال: و قد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبّارين، و أنّ منهم عُوج بن عُنق بنت آدم عليه السلام، و أنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع و ثلثمائة و ثلاثة و ثلاثون ذراعا، و ثلث ذراع، تحرير الحساب، و هذا شيء يُستحى من ذكره، ثمّ هو مخالف لما ثبت في الصحيحين: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّ اللّه خلق آدم، و طوله ستّون ذراعا، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن»[٤]، ثمّ ذكروا: أنّ هذا الرجل كان كافرا، و أنّه كان
[١] -. لعلّه كان أشمخ من أعلى الجبال على الأرض!!
[٢] -. الحجزة: موضع التكة من السروال.
[٣] -. تأويل مختلف الحديث، ص ٢٨٤؛ روح المعانى للآلوسيّ، ج ٦، ص ٩٥.
[٤] -. هذا أيضا حديث باطل! و قد نبّهنا عليه في التفسير.