التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٤ - من هو العارف و من هو الصوفي؟
يتلقّى .. و قد وجّهوا هممهم بنوع خاصّ إلى تحديد الغاية القصوى التي هي تحقّق النفس بمعرفة الحقّ تعالى عند ما يقطع العبد كلّ علائقه بالبدن .. و من هنا جاء وصفهم بالصوفيّة، كما قال صاحب اللمع: «فلمّا أضفتهم إلى ظاهر اللبسة- و كان يكثر في الزهّاد و المتقشّفين اعتياد لبس الصوف- فكان ذلك اسما مجملًا مخبرا عن جميع العلوم و الأعمال و الأخلاق و الأحوال الشريفة المحمودة. ألا ترى أنّ اللّه تعالى ذكر طائفة من خواصّ أصحاب عيسى عليه السلام فنسبهم إلى ظاهر اللبسة فقال عز و جل: «و إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ» و كانوا قوما يلبسون البياض، فنسبهم اللّه تعالى إلى ذلك، و لم ينسبهم إلى نوع من العلوم و الأعمال و الأحوال التي كانوا بها متوسّمين. فكذلك الصوفيّة نسبوا إلى ظاهر اللباس و لم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم و الأحوال التي هم بها متوسّمون. لأنّ لبس الصوف كان دأب الأنبياء عليهم السلام و الصدّيقين و شعار المساكين المتنسّكين ...»[١].
كما و قد افترضوا «الطريقة» إلى جنب «الشريعة» .. لتكون الشريعة عبارة عن الأعمال الظاهرة التي تجري على الجوارح و الأعضاء الجسميّة، و هي العبادات بأنواعها، و المعاملات بأقسامها .. و قد سمّي علم الشريعة بعلم الفقه اختصاصا بالفقهاء و أهل الفتيا و من تبعهم من الأتباع و المقلّدين .. كما هو معلوم من مذاهب معروفة ..
أمّا علم الطريقة فهو علم يدعو إلى الأعمال الباطنة و ارتياضات نفسانيّة، سمّيت بأعمال القلوب و الجوانح. و سمّى هذا العلم علم التصوّف و سمّى المتصوّفون أنفسهم أرباب الحقائق و أهل الباطن و سمّوا من عداهم أهل ظواهر و رسوم ..
و يفترق أهل العرفان عن أهل الكلام، باستنادهم في معارفهم (علم الحقائق) إلى مشاهدات نفسيّة هي واردات قلبيّة أو خواطر ملكوتيّة فيما حسبوا، اقتناعا بهذه الخواطر و السوانح، بدلًا من الاستدلال و إقامة البرهان، و التي اقتحمها علماء الكلام ..
قال الغزّاليّ في الإحياء: إنّ للإيمان و المعرفة ثلاث مراتب:
[١] -. دائرة المعارف الإسلاميّة، ج ٥ تصوّف، ص ٢٧٧- ٢٧٨.