التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٦ - امتهانه بشأن القراء
تعالى فمردود، و لم يرد به سمع، و قد كثر إنكارنا عليه لهذه اللفظة. ثمّ إنّ القاعدة مستقرّة على أنّ الظاهر ما لم يخالف المعقول يجب إقراره على ما هو عليه، فلذلك أقرّه الأكثرون على ظاهره و حقيقته، و لم يجعلوه مثالًا. أمّا كيفيّة الإخراج و المخاطبة فاللّه أعلم بذلك[١].
و مسألة «التمثيل» و «التخييل» يستعملها الزمخشريّ بحرّيّة أوسع فيما ورد من الأحاديث التي يبدو ظاهرها مستغربا، و قد مرّ كلامه في حديث مسّ الشيطان و نخسه للمواليد، الأمر الذي أثار ثائرة خصمه السنّيّ الذي لم يرتض هذا الصنيع من خصمه المعتزليّ، فتراه يتورّك عليه بقوله: أمّا الحديث فمذكور في الصحاح متّفق على صحّته، فلا محيص له إذن عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله، جنوحا إلى اعتزال منتزع، في فلسفة منتزعة، في إلحاد، ظلمات بعضها فوق بعض[٢].
امتهانه بشأن القرّاء
و هكذا نجد الزمخشريّ قد أغاظ خصومه أهل الظاهر و المقلّدة من أهل السنّة و الجماعة؛ حيث رفض حجّيّة القراءات حجّيّة تعبّديّة، حتّى و لو كانت على خلاف الفُصحى من اللغة؛ إذ لم تثبت حجّيّتها بهذه السعة و الإطلاق، فإذا ما تعارضت قراءة مع المقرّر من لغة العرب الفُصحى، نجد العلماء المحقّقين أمثال الزمخشريّ يرفضون تلك القراءة، حفاظا على سلامة القرآن، من خلل في فصاحته العليا، الأمر الذي لم يرتضه المقلّدة من أهل الظاهر، فهبّوا يهاجمونه بأشنع القذائف.
هذا ابن عامر قارئ دمشق، و هو أحد القرّاء السبعة قرأ: «وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ»[٣] برفع «قتل» و نصب «أولادهم» و جرّ «شركائهم» باضافة «قتل» إلى «شركائهم» مع الفصل بالمفعول به، و قراءة «زيّن» مبنيّا للمفعول.
فأنكر عليه الزمخشريّ و عدّ قراءته هذه سمجة مردودة، قال: و أمّا قراءة ابن عامر ...
[١] -. الكشّاف، ج ٢، ص ١٧٦.
[٢] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٤٥٢- ٤٥٤.
[٣] -. الأنعام ١٣٧: ٦.