التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - التفسير الصحيح للآيات
معه الحيتان، و دوابّ البحر و طير الماء و السباع[١]. و الحقّ: أنّ الآيات ليس فيها شيء ممّا ذكروا، و ليس هذا في شيء من كتب الحديث المعتمدة، و هي التي عليها المعوّل، و ليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه، و لا ما يصرف القصّة عن ظاهرها إلى الرمز و الإشارة.
و ما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض: «لا تلتفت إلى ما سطّره الإخباريّون من أهل الكتاب، الذين بدّلوا، و غيّروا، و نقله بعض المفسّرين، و لم ينصّ اللّه تعالى على شيء من ذلك في كتابه، و لا ورد في حديث صحيح، و الذي نصّ عليه في قصّة داود: «وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ» و ليس في قصّة داود، و اوريا خبر ثابت[٢].
و المحقّقون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي، قال الداوديّ: ليس في قصّة داود و أُوريا خبر يثبت، و لا يظنّ بنبيّ محبّة قتل مسلم، و قد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: من حدّث بحديث داود على ما يرويه القُصّاص جلّدته مائة و ستّين جلدة، و ذلك حدّ الفرية على الأنبياء[٣]، و هو كلام مقبول و مرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام أيضا[٤].
التفسير الصحيح للآيات
و إذا كان ما روي من الإسرائيليّات الباطلة التي لا يجوز أن تفسّر بها الآيات، فما التفسير الصحيح لها إذا؟
و الجواب: أنّ داود عليه السلام كان قد وزّع مهامّ أعماله، و مسؤوليّاته نحو نفسه، و نحو الرعيّة على الأيّام، و خصّ كلّ يوم بعمل، فجعل يوما للعبادة، و يوما للقضاء و فصل الخصومات، و يوما للاشتغال بشؤون نفسه و أهله، و يوما لوعظ بني إسرائيل.
ففي يوم العبادة بينما كان مشتغلًا بعبادة ربّه في محرابه، إذ دخل عليه خصمان تسوّرا
[١] -. تفسير البغويّ، ج ٤، ص ٦٣ و ٦٤.
[٢] -. الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى، ج ٢، ص ١٥٨.
[٣] -. لأنّ حدّ القذف لغير الأنبياء ثمانين، فرأى رضى الله عنه تضعيفه بالنسبة إلى الأنبياء و في الكذب عليهم رمى لهم بما هم براء منه، ففيه معنى القذف لداود بالتعدّي على حرمات الأعراض و التحايل في سبيل ذلك.
[٤] -. راجع: مجمع البيان، ج ٨، ص ٤٧٢؛ بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٢٦، رقم ٦.