التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - تنوع التفسير الاجتهادي
موضعه من ذلك، أو يجعل ذلك داعية لعقيدته أو سلوكه، و هو- في الأغلب- يعلم أن لا مساس للآية بذلك، و إنّما هو تحميل عليها.
و العمدة: أنّه لم يَرُم فهم معنى الآية و تفسيرها الواقعيّ، و إنّما رام دعم مذهبه و عقيدته بأيّ وسيلة كانت، و منها الآية إن وافق التقدير.
فهذا تحميل على الآية، و ليس تفسيرا لها، و من ثمّ فليتبوّأ مقعده من النار.
روى أبو جعفر الصدوق بإسناده إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: قال اللّه عز و جل: «ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي»[١].
و روى أبو جعفر الطبريّ بإسناده عن ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»[٢].
إذن فمن سلك طريقة العقلاء في فهم الكلام، و اعتمد الدلائل و الشواهد، و راجع أقوال السلف الصالح، ثمّ أعمل نظره في فهم كلام اللّه، لم يكن مفسّرا بالرأي، لا مستبدّا برأيه و لا مُحمِّلًا برأيه على القرآن الكريم، و العصمة باللّه سبحانه.
تنوّع التفسير الاجتهاديّ
و ممّا يجدر التنبّه له، أنّ التفسير الاجتهاديّ المبتني على إعمال الرأي و النظر، يتنوّع تنوّعا حسب مواهب المفسّرين و قدراتهم العلميّة و الأدبيّة، و معطياتهم في العلوم و المعارف؛ إذ كلّ صاحب فنّ و علم إنّما يجعل من صناعته العلميّة وسيلة لفهم القرآن، و ينظر إليه من الزاوية التي كانت مقدرته متركّزة عليها، و من ثمّ تختلف براعة كلّ مفسّر عن غيره، في الجهة التي كانت قدرته العلميّة أبرع و أمتن. فصاحب الأدب الرفيع، إنّما يفوق غيره في براعته الأدبيّة في التفسير، و هكذا صاحب الفلسفة و الكلام و الفقه و اللغة، و حتّى صاحب العلوم الطبيعيّة و الرياضيّات و الأفلاك، و نحو ذلك. فكلّ صاحب مهنة إنّما يبرع في عمله، إذا خاض التفسير من جهة صناعته، و من زاوية اختصاصه،
[١] -. الأمالي للصدوق، ص ٦، المجلس الثاني.
[٢] -. تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٢٧.