التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - النمط الثاني التفسير الاجتهادي
و من ثمّ تجب معرفة حدود «التفسير بالرأي» و الوقوف على ثغوره، و جوانبه و أبعاده؛ لغاية الاجتناب عنه.
و نحن قد أوفينا الكلام حول مسألة «التفسير بالرّأي»[١] و يتلخّص في أنّ الممنوع منه هو ما كان بأحد وجهين:
١. الاستبداد بالرأي في تفسير كلامه تعالى، فيعتمد ما حانت له نظرته الخاصّة، غير مبالٍ بما قاله العلماء من قبله، فيعمد إلى تفسير آية، اعتمادا على ما فهمه من لغة و أدب مجرّد، من غير مراجعة لأقوال السلف و نظراتهم و توجيهاتهم، و المسالك التي سلكوها في فهم الآية، و ربّما كانت قرائن و دلائل حافّة، لا ينبغي التغافل عنها. من ذلك معرفة أسباب النزول، و شرح الحوادث المقارنة لنزول الآية، و المناسبة التي استدعت نزولها، و كذا المأثور من كلام النبيّ و الصحابة الأوّلين، ممّا يعين على فهم كلام اللّه النازل على رسوله. و إنّما يعرف القرآن من خوطب به، فإغفال ذلك و إعفاء الآثار و الدلائل المكتنفة، حياد عن طريقة العقلاء في فهم الكلام، فضلًا عن كلامه تعالى، و من استبدّ برأيه هلك، كما قال الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام.
و أيضا فإنّ علم التفسير، علم انحدر من نقطة أُولى ثمّ توسّع و تنوّع، كسائر العلوم التي ورثتها البشريّة من أسلافها العلماء. و لا ينبغي لعالم أن يُعفي ما حقّقه الأسلاف، و ليس له أن يبدأ بما بدأ به الأوّلون، و إلّا لم تكن العلوم لتزدهر و تتوسّع مع اطّراد الزمان.
و الخلاصة: إنّ مراجعة الدلائل و الشواهد القرآنيّة، إلى جنب أقوال السلف و آرائهم، شرط أساسيّ في معرفة كلام اللّه، فمن استبدّ برأيه من دون مراجعة ذلك، هلك و أهلك.
و هذا معنى الحديث الوارد: «من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»[٢] فلو فرض أنّه ربّما أصاب الواقع صدفة، لكنّه قد أخطأ الطريق التي تُؤمّن عليه الإصابة لدى العقلاء.
٢. أن يعمد إلى آية فيحاول تطبيقها على رأيه- مذهب أو عقيدة أو سلوك- ليبرّر
[١] -. عند البحث عن صلاحيّة المفسّر في الجزء التاسع، ص ٤٩- ٧٤؛ و ما كاد يزلّه لو لم يتحذّر.
[٢] -. منية المريد للشهيد الثاني، ص ٢١٦- ٢١٧.