التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - ٢ و بعد أن ظهرت المذاهب الفقهية
و هذا المنقول عن أبي حنيفة قد يكون مبالغا فيه، غير أنّه إن دلّ فإنّما يدلّ على جرأته في تقديم النظر على الأثر و ترك النصّ و الأخذ بالقياس ..
الأمر الذي أنّبه الإمام الصادق عليه في مواقف عدّة كان يختلف فيها إلى الإمام عليه السلام و يتساءل معه و أحيانا يتحاجج لديه .. فكان ينصاع لنصحه و يرعوي من غلوائه ..[١]
فقد كانت مدرسة الإمام الصادق جامعة إسلاميّة يؤمّها الناس من مختلف الطوائف و النحل، فهي مدار الحركة الفكريّة، و المحور الذي تدور عليه آمال الموجّهين و حملة الدعوة الإسلاميّة. و قد أثّرت تعاليمه عليه السلام في كثير من اولئك الرجال فاعتدلوا في آرائهم ..
والإمام أبوحنيفة- المعروف بكثرة القياس- يكشف لنا عن أهمّيّة هذه المدرسة و عظيم أثرها، إذ يقول: «لولا السَنَتان لهلك النعمان»[٢]. و السَنَتان هما اللّتان حضر بهما عند الإمام الصادق، و كان الإمام يشتدّ عليه في كثرة القياس و يناظره في ذلك. و بهذا يتّضح أنّ أبا حنيفة، في أخذه بأقوال الإمام الصادق، و اتّباع أوامره، يعدّ نفسه في نجاة من هلكة كانت تهدّده .. و ربّما كان ذلك في التقليل الأخذ بالقياس، و اللجوء إلى الأحاديث أكثر ..
نعم، كان أبو حنيفة معجبا بموضع الإمام و يراه أفقه و أهيب الناس كلّهم، و هو القائل:
«ما رأيت أفقه من جعفر من محمّد الصادق»[٣].
[١] -. قد احتفظ لنا التاريخ بكثير من تلك المواقف، التي كان فيها لأبي حنيفة موقف تسليم، لأنّه أمام أمر واقع لا مجال للجدل و المناقشة، و هو يعرف الإمام الصادق عليه السلام و خطّته في مناظراته التي لا يريد بها إلّا توجيه المسلمين توجيها صحيحا. و كان بيته يختلط فيه أشتات الناس على اختلاف آرائهم و مبادئهم و نحلهم، و كان ميدان المعترك الفكريّ واسعا في جميع الأنحاء، فكان عليه السلام في ذلك العهد مرجعا لكلّ مشكلة و مهمّة، يقصده طلّاب الحقيقة من الأنحاء القاصية، و يختلف إليه أهل الجدل و النظر، فيكون جوابه هو القول الفصل و الحكم العدل. و هكذا كان إذا ورد الكوفة- معهد العلوم الإسلاميّة آنذاك- اختلف إليه علماؤها و أحاط به فقهاؤها يسألون عمّا يهمّهم و يستقون من فيض علمه. و هو محلّ تقديرهم و إكبارهم.
و كان أبو حنيفة ممّن يختلف إلى الإمام و يسأله عن كثير من المسائل مع أدب و احترام و لا يخاطبه إلّا بقوله: جُعلتُ فداك يا ابن رسول اللّه .. و قد روى أبو حنيفة عن الإمام الصادق عليه السلام و حدّث عنه و اتّصل به في المدينة مدّة من الزمن. و رواياته عنه أثبتها رواة مسانيده و ورد منها في كتاب الآثار لأبي يوسف .. الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، ج ١، ص ٣١٤- ٣١٧.
[٢] -. المصدر نفسه، ج ٣، ص ١١٣.
[٣] -. المصدر نفسه، ج ١، ص ٣١٥.