التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٤ - اعتماده على التأويل و التمثيل
أجل ذلك إلى أنّهم من أهل الأوهام و الخرافات، كما عرفت من هجوه لهم في الشعر المتقدّم. و قد سمّاهم أهل الحشو، عند تفسيره لآية (٣٦) من سورة آل عمران «وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ». قال: و ما يُروَى من الحديث: «ما من مولود يولد إلّا و الشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ صارخا من مسّ الشيطان إيّاه إلّا مريم و ابنها» فاللّه أعلم بصحّته. فإن صحّ فمعناه: أنّ كلّ مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلّا مريم و ابنها، فإنّهما كانا معصومين. و كذلك كلّ من كان في صفتهما، كقوله تعالى: «لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»[١]. و استهلاله صارخا من مسّه، تخييل و تصوير لطمعه فيه، كأنّه يمسّه و يضرب بيده عليه، و يقول: هذا ممّن أُغويه، و نحوه من التخييل قول ابن الروميّ:
|
لما تؤذن الدنيا به من صروفها |
يكون بكاء الطفل ساعة يولد |
|
و أمّا حقيقة المسّ و النخس كما يتوهّم أهل الحشو فكلّا. و لو سُلّط إبليس على الناس بنخسهم، لامتلأت الدنيا صراخا و عياطا ممّا يبلونا به من نخسه[٢].
*** و إليك أمثلة اخرى لتقف على مقدار تمسّكه بهذه الطريقة:
ففي سورة البقرة عند قوله تعالى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ»[٣] يذكر الزمخشريّ في معنى «الكرسيّ» أربعة أوجه، و يقول في الوجه الأوّل منها: إنّ كرسيّه لم يضق عن السماوات و الأرض لبسطته و سعته، و ما هو إلّا تصوير لعظمته و تخييل فقط، و لا كرسيّ ثمّة، و لا قعود، و لا قاعد، كقوله تعالى: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ»[٤] من غير تصوّر قبضة و طيّ و يمين، و إنّما هو تخييل لعظمة شأنه، و تمثيل حسّيّ، ألا ترى إلى قوله: «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدرِهِ»[٥]؟!
[١] -. الحجر ٣٩: ١٥- ٤٠.
[٢] -. الكشّاف، ج ١، ص ٣٥٦- ٣٥٧.
[٣] -. البقرة ٢٥٥: ٢.
[٤] -. الزمر ٦٧: ٣٩.
[٥] -. الكشّاف، ج ١، ص ٣٠١.