التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٣ - التأويل عند أرباب القلوب
لا يحيط بالتعبير عنها اللفظ.
و لنقرّب إلى الفهم، فلغة القلب مثل التفّاحة، فلن يستطيع مَنْ أكلها و أحسّ حلاوتها أن يترجم باللفظ أو يعبّر بالوصف- لمن لم يأكلها قبل- عن طعمها و مذاقها، و هكذا لا تدرك لغة القلب بوصف أو بلفظ، و إنّما يدركها ذو قلب متذوّق؛ و لذلك لا تحيط بالتعبير عن لغة القلب العبارةُ، و إنّما يعبَّر عنها بالإشارة.
فالإشارة ترجمان لما يقع في القلوب من تجلّيات و مشاهدات، و تلويح لما يفيض به اللّه على صفوته و أحبابه من أسرار في كلام اللّه و كلام رسوله.
و من هنا كانت مذاقات الصوفيّة و أهل التحقيق في القرآن الكريم، و هم لا يرون أنّ تلك المذاقات وحدها هي المرادة، و إنّما يأخذونها إشارات من اللّه لهم بعد إقرار ما قاله أهل الظاهر من تفسير، باعتباره أصل التشريع.
و جليّ بعد ذلك أنّه لا مجال لمتعرّض ممّن ينكر عليهم مذاقاتهم، و يراها ميلًا بكلام اللّه عن مجراها، ما داموا لا يأخذون بمذاقاتهم وحدها، و إنّما يأخذون بهما مع إقرارهم لتفسير أهل الشرع. فلا يعنينا من ذي جدل أن يقول عن هذه الإشارات: إنّها إحالة لكلام اللّه و تغيير لسياقه و مجراه؛ لأنّ ذلك يصدق لو قالوا: إنّه لا معنى للآية إلّا هذا، و هم لا يقولون ذلك، بل يقرّون الظواهر على ظواهرها، و يفهمون عن اللّه ما أفهمهم.
و ذلك مصداق الحديث الشريف: «لكلّ آية ظهر و بطن و حدّ و مطلع» فالباطن لا يعارض الظاهر، و الظاهر لا يعارض الباطن.
و ذلك النهج بعيد كلّ البعد عمّا نادى به «الباطنيّة» من الأخذ بباطن القرآن لا ظاهره، و قصرهم معاني القرآن على ما ادّعوه من تفسيراتهم دون غيره؛ لأنّهم بذلك لا يقرّون الشريعة و يبطلون العمل بها، و هم لا يخضعون دعواهم للنصّ القرآنيّ، بل يخضعون النصّ القرآنيّ لدعواهم.
و هنا يزول ما التبس على البعض من أنّ مذاقات الصوفيّة في القرآن الكريم، نزعة باطنيّة، فبينهم و بينها آماد و أبعاد، بل أنّهم لبريئون منها، و لينكرونها كلّ الإنكار، و واضح