التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٧ - ٢٤ الإسرائيليات في قصة«إرم ذات العماد»
بلبن الذهب و الفضّة، و أنّ حصباءها لئالئ و جواهر، و ترابها بنادق المسك ... فإنّ هذا كلّه من خرافات الإسرائيليّين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدّقهم في جميع ذلك. و قال فيما روي عن ابن قلابة: فهذه الحكاية ليس يصحّ إسنادها، و لو صحّ إلى ذلك الأعرابيّ فقد يكون اختلق ذلك، أو أصابه نوع من الهوس، و الخبال، فاعتقد أنّ ذلك له حقيقة في الخارج، و هذا ما يقطع بعدم صحّته. و هذا قريب ممّا يخبر به كثير من الجهلة، و الطامعين، و المتحيّلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب و الفضّة، فيحتالون على أموال الأغنياء و الضعفة، و السفهاء، فيأكلونها بالباطل، في صرفها في بخاخير، و عقاقير، و نحو ذلك من الهذيانات، و يطنزون بهم.[١]
*** و الصحيح في تفسير الآية؛ أنّ المراد «بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ» قبيلة عاد المشهورة، التي كانت تسكن الأحقاف، شمالي حضرموت، و هي عاد الأُولى، التي ذكرها اللّه سبحانه في سورة النجم، قال سبحانه: «وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى»، و يقال لمن بعدهم: عاد الآخرة، و هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. قاله ابن إسحاق و غيره، و هم الذين بعث فيهم رسول اللّه هودا عليه السلام فكذّبوه، و خالفوه، فأنجاه اللّه من بين أظهرهم، و مَن آمن معه منهم، و أهلكهم «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ»[٢].
و قد ذكر اللّه قصّتهم في القرآن في غير ما موضع، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ»، بدل من «عاد» أو عطف بيان زيادة تعريف بهم، و قوله تعالى:
«ذاتِ الْعِمادِ»؛ لأنّهم كانوا في زمانهم أشدّ الناس خلقة، و أعظمهم أجساما، و أقواهم بطشا. و قيل: ذات الأبنية التي بنوها، و الدور، و المصانع التي شادوها. و قيل: لأنّهم كانوا يسكنون بيوت الشَعر التي تُرفع بالأعمدة الغلاظ الشداد. و الأوّل أصحّ و أولى، فقد
[١] -. تفسير ابن كثير، ج ٤، ص ٥٠٧- ٥٠٨.
[٢] -. الحاقّة ٦: ٦٩- ٨.