التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩١ - الرأي الحاسم
تعالى- ناكرا عمههم هذا-:
«قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ»[١].
«قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ»[٢].
و هكذا وبّخ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هذا الإغفال و إعفاء تجارب السلف التي قاسها الآباء، قال موبّخا هذه الشنعة: «و إنّما تسيرون في أثر بيّن و تتكلّمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم»[٣].
إذن فلتكن دراسة التاريخ موضع عظة و اعتبار، إذا كانت عن تدبّر و إمعان، و بعيدة عن كلّ تعصّب مقيت .. الأمر الذي أغفله أحفاد إسرائيل و أذنابهم ..
*** و عليه فالقول الحاسم بشأن مراجعة كتابات السلف من يونان و رومان و مصر و اليهود و حتّى الفرس و الهنود، هو الجواز بل اللزوم، بعد كونها ضرورة لازدهار حضارة الأجيال .. غير أنّ هذه المراجعة لا بدّ أن تكون عن دراسة واعية و تحقيق و إمعان، و بعيدة عن تعصّبات أعمى تقليديّة يمقتها العقل الرشيد.
و الأمر بشأن مراجعة الكتب الدينيّة القديمة- و قد أحاط بها هالة من خرافات بائده- أدعى للحذر و الاحتياط، و لا سيّما لو اريد العثور على حقائق وحيانيّة احتضنها تلكم الكتب و في طيّها الشيء الكثير .. فلا بدّ من التحرّي و التدقيق دون التسرّع و الاسترسال ..
و نتيجة على ذلك كانت مراجعة كتب السلف- مهما كانت- ضرورة ثقافيّة و حياتيّة شاملة .. أمّا الاستسلام محضا فلا، و أمّا التحرّي و التحقيق فنعم ..
هذا هو القول الفصل في مراجعة كتب الأسلاف إذا كانت عن وعي و إمعان .. و اللّه من وراء القصد ..
[١] -. الزخرف ٢٣: ٤٣.
[٢] -. البقرة ١٧٠: ٢.
[٣] -. نهج البلاغة، الخطبة: ١٨٣.