التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - هل تجوز مراجعة أهل الكتاب؟
أهل الكتاب بقوله: «أَ مُتَهوِّكون فيها يا ابن الخطّاب».
قال: «نعم لا تعارُض بين هذا و ذاك؛ لأنّ صحابة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كانوا أعرف الناس بامور دينهم، و كان لهم منهج سديد و معيار دقيق في قبول ما يُلقى إليهم من الإسرائيليّات، ما كانوا يرجعون إليهم في كلّ شيء، و إنّما كانوا يرجعون إليهم لمعرفة بعض جزئيّات الحوادث و الأخبار.
قال: أمّا إنكار الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و إنكار الصحابة على من كان يرجع إليهم، فقد كان في مبدأ الإسلام و قبل استقرار الأحكام، مخافة التشويش على عقائدهم و أفكارهم[١].
قال ابن حجر: «و كأنّ النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلاميّة و القواعد الدينيّة خشية الفتنة. ثمّ لمّا زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار»[٢].
مناقشة دلائل الجواز
غير أنّ هذه الدلائل غير وافية بإثبات المطلوب، و لا هي تُبرّر مراجعة أهل الكتاب في شيء من تفسير القرآن الحكيم أو تاريخ الأنبياء عليهم السلام.
ذلك لأنّ اليهود الذين جاوروا العرب كانوا أهل بادية مثلهم- كما قال ابن خلدون- لا علم لهم و لا تحقيق بمعرفة الصحيح من الأخبار، سوى ما شاع لديهم من أخبار عامّيّة ممّا لا يمكن الوثوق بها. أمّا علماؤهم فكانوا أهلَ دجلٍ و تزوير، كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم- كما حكى عنهم القرآن- و يزوّرون الحديث و يقولون: هذا من عند اللّه، و ما هو من عند اللّه، ليشتروا به ثمنا قليلًا، بُغية حطام الدنيا الرذيلة.
و من ثَمَّ كان المنع من ذلك شديدا كما عرفت في مناهي النبيّ و أصحابه الكبار عن ذلك، و لم يدلّ على جوازه شيء من الأخبار و الآثار.
أمّا الآيات التي زعموها مبيحةً لذلك، فالاستدلال بها عقيم؛ لأنّها من باب «إيّاك أعني
[١] -. المصدر نفسه، ص ٦٦- ٦٧.
[٢] -. راجع: فتح الباري، ج ٦، ص ٣٦١.