التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - إمام المشككين
و هذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة، و لا يلتفت العاقل إليهما! و سمعنا كلام المعتزلة في أنّ مع الجبر يقبح التكليف، و الجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جدّا، فصار مجموع الكلامين كلاما قويّا في نفي التكاليف، و متى بطل ذلك بطل القول بالنبوّات.
هكذا يُلقي التشكيك، عند عرض الآراء، سواء المخالف أم المؤالف.
ثمّ يذكر مطاعن أُخر وجّهها الطاعنون في القرآن و في الإسلام، على أثر هذه المناظرة بين أهل الجبر و القدر، و يستنتج: أنّ الرجوع إلى العقليّات يورث الكفر و الضلال، و لهذا قيل: من تعمّق في الكلام تزندق.
ثمّ يذهب في تشكيكاته حيث يشاء، و يذكر في أثنائها حكاية طريفة يرويها عن ابن عمر، أنّ رجلًا قام إليه فقال: يا أبا عبد الرحمان إنّ أقواما يعملون الكبائر و يقولون: كان ذلك في علم اللّه فلم نجد بُدّا منه. فغضب و قال: سبحان اللّه، قد كان في علمه أنّهم يفعلونها، فلم يحملهم علم اللّه على فعلها. حدّثني أبي أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: مثل علم اللّه فيكم كمثل السماء التي أظلّتكم، و الأرض التي أقلّتكم. فكما لا تستطيعون الخروج من السماء و الأرض، فكذلك لا تستطيعون الخروج عن علم اللّه تعالى، و كما لا تحملكم السماء و الأرض على الذنوب، فكذلك لا يحملكم علم اللّه تعالى عليها.
و المقصود: أنّ علمه تعالى الأزليّ محيط بأفعال العباد، و لكن من غير أن يكون علمه تعالى سببا و علّةً في إيجادها؛ لأنّ علمه تعالى السابق، تبع لعمل العبد اللّاحق، فكيفما يعمل يعلمه تعالى من غير أن يكون هذا العلم مؤثّرا في إرادة العبد.
و هذا المعنى الواضح، لم يدركه مثل الإمام الرازيّ؟ و لعلّه تظاهر بعدم الفهم! قال تعقيبا على هذه الحكاية: إنّ في الأخبار التي يرويها الجبريّة و القدريّة كثرة، و الغرض من رواية هذا الحديث بيان أنّه لا يليق بالرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن يقول مثل ذلك؛ لأنّه متناقض و فاسد، أمّا المتناقض فلأنّ الصدر يدلّ على الجبر، و الذيل صريح في القدر. و أمّا أنّه فاسد فلأنّ العلم بعدم الإيمان و وجود الإيمان متنافيان، فالتكليف بالإيمان مع وجود