التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - مبدأ نشر الإسرائيليات
ذخائر العلوم. فقد كان ابن عبّاس يُسيء الظنّ بأهل الكتاب حتّى المسلمة منهم.
روى البخاريّ بإسناده إلى ابن عبّاس، كان يقول:
«يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب، و كتابكم الذي أُنزل على نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم أحدث الأخبار باللّه تقرأونه لم يُشَبْ[١]. و قد حدّثكم اللّه أنّ أهل الكتاب بدّلوا ما كتب اللّه و غيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلًا. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم، و لا واللّه ما رأينا منهم رجلًا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم»[٢].
و هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، سفط العلم و باب مدينة علم الرسول، و كذا عبد اللّه بن مسعود و أُبيّ بن كعب و أمثالهم من أوعية العلم، لم يُحتمل بشأنهم الرجوع إلى كتابيّ قطّ. و هذا معلوم بالضرورة من التاريخ.
*** نعم، إنّما كان يراجع أهل الكتاب من الأصحاب، مَن لا بضاعة له و لا سابقة علم، أمثال عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، و أبي هريرة و أضرابهم، من المفلّسين المعوزين.
و قد سمعت مراجعة عبد اللّه بن عمرو بن العاص إلى أهل الكتاب و لا سيّما زاملتيه اللتين زعم أنّه عثر عليهما في واقعة اليرموك، و كذا أبو هريرة تربية كعب الأحبار.
و قد ذكر أصحاب التراجم: أنّ عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب كان ممّن نشر علم كعب، و كان راوية له.
هذا عماد الدين ابن كثير عند كلامه عن قصّة هاروت و ماروت يحكم بوضع هذه القصّة، و أنّ منشأها روايات إسرائيليّة تدور حول ما نقله عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب عن كعب الأحبار، و هي ممّا ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام، و أنّ روايات الرفع إلى
[١] -. لم يُشَب، أي كان محفوظا عن الدسّ فيه، فهو كلام اللّه الخالص، من غير أن تشوّهه يد التدليس.
[٢] -. راجع: جامع البخاريّ، ج ٩، ص ١٣٦ باب لا يُسأل أهل الشرك عن الشهادة و ج ٣، ص ٢٣٧( باب لا تسألوا أهل الكتاب).