التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - ١ الإسرائيليات في قصة هاروت و ماروت
و سقيمها، و لعلّه كان يحسب أنّ ذكر السند- و لو لم ينصّ على درجة الرواية قوّة و ضعفا- يخلي المؤلّف عن المؤاخذة و التبعات. و تفسيره هذا مشحون بالروايات الواهية و المنكرة و الموضوعات و الإسرائيليّات، و ذلك فيما يذكره في الملاحم و الفتن و في قصص الأنبياء، و حتّى في مثل قصص نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم كما في قصّة زينب بنت جحش، على ما يرويها القُصّاص و المبطلون، و أمثالها كثير.
كما أُخذ على تفسير الدرّ المنثور، أنّه و إن عَزَى الروايات إلى مُخرجيها، لكن لم يبيّن منزلتها من الصحّة و الضعف أو الوضع، و ليس كلّ قارئ يمكنه معرفة ذلك بمجرّد ذكر السند أو المصدر المخرج منه، و لا سيّما في عصورنا المتأخّرة. و لعلّه أيضا من المحدّثين الذين يرون أنّ إبراز السند أو المخرج يخلي من العهدة و التبعة. و في الكتاب إسرائيليّات و بلايا كثيرة، و لا سيّما في قصص الأنبياء؛ و ذلك مثل ما ذكره في قصّة هاروت و ماروت، و في قصّة الذبيح و أنّه إسحاق، و في قصّة يوسف، و في قصّة داود، و سليمان، و في قصّة إلياس. و أسرف في ذكر المرويّات في بلاء أيّوب. و معظمها ممّا لا يصحّ و لا يثبت، و إنّما هو من الإسرائيليّات التي سردها بنو إسرائيل و أكاذيبهم على الأنبياء.
و هذان التفسيران هما الأساس لبثّ و نشر الإسرائيليّات، فيما تأخّر من كتب التفسير.
و سنعرض منها نماذج:
١. الإسرائيليّات في قصّة هاروت و ماروت[١]
روى السيوطيّ في الدرّ المنثور، في تفسير قوله تعالى: «وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ»[٢] روايات كثيرة و قصصا عجيبة، رويت عن ابن عمر، و ابن مسعود، و ابن عبّاس، و مجاهد، و كعب، و الربيع، و السُدّيّ. رواها ابن جرير الطبريّ في تفسيره، و ابن مردويه، و الحاكم، و ابن المنذر، و ابن أبي الدنيا، و البيهقيّ، و الخطيب في تفاسيرهم
[١] -. تركنا القلم هنا بيد الدكتور محمّد بن محمّد أبي شهبة في كتابه« الإسرائيليّات و الموضوعات» فقد استوفى هذا الجانب استيفاءً كاملًا و استقصى الإسرائيليّات بشكل رتيب، و من ثمّ فقد اقتبسنا ممّا ذكره، مع شيء من التصرّف أحيانا. راجع: كتابه، ص ١٥٩- ٣٠٥.
[٢] -. البقرة ١٠٢: ٢.