التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - ١ الإسرائيليات في قصة هاروت و ماروت
فهو أقلّ خشية؛ فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض. فلمّا وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فقالا: أمّا عذاب الدنيا فينقطع، و يذهب و أمّا عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجُعلا ببابل، فهما بها يُعذّبان معلّقَين بأرجلهما. و في بعض الروايات، أنّهما علّماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء، فصعدت، فمسخها اللّه، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة.
و يذكر السيوطيّ و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الحاكم، و البيهقيّ في سننه، عن عائشة: أنّها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل، و أنّها أخبرتها أنّها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا، و ركبت امرأة اخرى الكلب الآخر، و لم يمض غير قليل، حتّى وقفتا ببابل. فإذا هما برجلين معلّقَين بأرجلهما، و هما هاروت و ماروت، و استرسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصّة عجيبة غريبة.
و يذكر ايضا: أنّ ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعيّ، عن هارون بن رباب، قال:
دخلت على عبد الملك بن مروان و عنده رجل قد ثنيت له وسادة، و هو متّكئٌ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت و ماروت، فقلت هذا، قالوا: نعم، فقلت: حدِّثنا رحمك اللّه، فأنشأ الرجل يحدّث بقصّة عجيبة غريبة[١].
و كلّ هذا من خرافات بني إسرائيل، و أكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل و لا نقل و لا شرع، و لم يقف بعض رواة هذا القَصَص الخرافيّ الباطل عند روايته عن بعض الصحابة و التابعين، و لكنّهم أوغلوا باب الإثم، و التجنّي الفاضح، فألصقوا هذا الزور إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و رفعوه إليه.
فقد قال السيوطيّ: أخرج سعيد، و ابن جرير، و الخطيب في تاريخه، عن نافع، قال:
سافرت مع عبد اللّه بن عمر، فلمّا كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر هل طلعت الحمراءُ؟
قلت: لا، مرّتين أو ثلاثا، ثمّ قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبا بها، و لا أهلًا. قلت: سبحان
[١] -. الدرّ المنثور، ج ١، ص ١٠١؛ تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٣٦٦.