التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - ٤ أوار التعصب في عهد متأخر
هذا، و مع ذلك نرى من أصحابه و مقلّديه مبالغة ظاهرة، في تشييد مذهبه إلى حدّ التحميل القاسي ..[١]
و أحمد، لم ينل مذهبه شهرة كغيره من المذاهب، و كانت خُطَى انتشاره قصيرة جدّا ..
أمّا في بغداد فلم تكن له شهرة إلّا بين طبقة عرفوا بالعُنف و الشدّة في سيرتهم، و تحاملهم على غيرهم من المذاهب[٢]. و كان سبب عدم انتشار مذهبه- هو ابتعاده عن معالم الاجتهاد- حسبما ذكره ابن خلدون، قال: أمّا أحمد فمقلّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد، و أصالته في معاضدة الرواية و للأخبار بعضها ببعض ..[٣].
و كانت الغلبة في بغداد للمذهب الشيعيّ[٤]، و قد قامت الحنابلة بدور صراع عنيف مع الشيعة و لكن لم يستطيعوا التغلّب عليه .. و في سنة ٣٢٣ ه. عظم أمر الحنابلة و قويت شوكتهم و صاروا يكبسون دور القُوّاد و العامّة للتفتيش، و قاموا بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في حملة شعواء و من غير هوادة، فأرهجوا بغداد، و أقلقوا بال الحكومة، و من فعلتهم الدنيئة أن استظهروا بالعميان الذين يأوون إلى المساجد، فإذا مرّ بهم شافعيّ المذهب أغروا به العميان. فيضربونه بعصيّهم حتّى يكاد يموت.
فخرج توقيع الخليفة الراضي باللّه، بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم شنعتهم ويوبّخهم على تحميل معتقداتهم في التشبيه و غيره. جاء فيه: «تارة إنّكم تزعمون صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، و هيأتكم الرذيلة على هيأته، و تذكرون الكفّ و الأصابع و الرجلين و النعلين المُذَهَّبين و الشعر القطط، و الصعود إلى السماء، و النزول إلى الدنيا- تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون و الجاحدون علوّا كبيرا- ثمّ طعنكم على خيار الامّة و نسبتكم شيعة آل محمّد عليهم السلام إلى الكفر و الضلال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى
[١] -. الأمر الذي نقاسيه حتّى اليوم في أتباع السَلَفيّة الجافية، و في غلظة تأباها روح الشريعة السهلة السمحة ..
[٢] -. و قد عرفت ما أفجعوا بابن جرير الطبريّ، ذلك العالم الكبير صاحب التفسير، أوجعوه ضربا و شتما و تشريدا، حسبما ذكرناه في ترجمته ..
[٣] -. مقدّمة ابن خلدون، ص ٤٤٨.
[٤] -. راجع: أحسن التقاسيم لشمس الدين الشاري الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، ج ٤، ص ٥٠٩.