التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - ١٩ الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ
١٩. الإسرائيليّات في قصّة بلقيس ملكة سبأ
و من الإسرائيليّات ما ذكره بعض المفسّرين، عند تفسير قوله تعالى: «قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»[١].
فقد ذكر ابن جرير، و الثعلبيّ، و البغويّ، و الخازن، و غيرهم «أنّ سليمان أراد أن يتزوّجها، فقيل له: إنّ رجليها كحافر الحمار، و هي شعراء الساقين، فأمرهم، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة، فلمّا رأته حسبته لجّة، و كشفت عن ساقيها لتخوضه، فنظر سليمان، فإذا هي أحسن الناس قدما و ساقا، إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فكره ذلك، فسأل الإنس، ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى[٢]، فقالت بلقيس: لم تمسّني حديدة قطّ، و كره سليمان ذلك، خشية أن تقطع ساقيها، فسأل الجنّ، فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فقالوا: إنّا نحتال لك حتى تكون كالفضّة البيضاء، فاتّخذوا لها النورة[٣] و الحمّام، فكانت النورة و الحمّام من يومئذ»[٤].
و قد روي هذا عن ابن عبّاس- رضوان اللّه عليه- و مجاهد، و عكرمة، و محمّد بن كعب القرظيّ، و السدّيّ، و ابن جريج و غيرهم. و روي أيضا أنّها سألت سيّدنا سليمان عن أمرين، قالت له: أريد ماءً ليس من أرض و لا من سماءٍ!! فسأل سليمان الإنس، ثمّ الجنّ، ثمّ الشياطين، فقالت الشياطين: هذا هيّن، أَجْرِ الخيل، ثمّ خذ عرقها، ثمّ املأ منه الآنية، فأمر بالخيل فأُجريت، ثمّ أخذ العرق، فملأ منه الآنية!!
و سألته عن لون اللّه عز و جل فوثب سليمان عن سريره، و فزع من السؤال، و قال: لقد سألتني يا ربّ عن أمر، إنّه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، و لكنّ اللّه أنساه، و أنساهم ما
[١] -. النمل ٤٤: ٢٧.
[٢] -. المراد: الموسى التي تزيل الشعر.
[٣] -. مادّة يزال بها الشعر.
[٤] -. كذب ظاهر، كأنّ النورة و الحمّام لم يكونا إلّا لها، و كأنّ سليمان عليه السلام لم يكن له همّ إلّا إزالة شعر ساقيها، و هو تجنٍّ صارخ على الأنبياء، و إظهارهم بمظهر المتهالك على النساء و محاسنهنّ، فقبّح اللّه اليهود و سامح اللّه المتسالمين لهم!