التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩ - أهم أسباب الوضع
على الرشيد- و هو قاض- و هارون إذ ذاك يطيّر الحمام، فقال: هل تحفظ في هذا شيئا؟
فقال: حدّثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: «إن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان يطيّر الحمام». فقال هارون: اخرج عنّي. ثمّ قال: لولا أنّه رجل من قريش لعزلته.
قال ابن الجوزيّ: هذا الحديث من عمل أبي البختريّ، و اسمه وهب بن وهب. كان من كبار الوضّاعين[١].
و روى حديث القباء الأسود، قال: لمّا قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في قباء أسود و منطقة. فقال أبو البختريّ: «حدّثنا جعفر بن محمّد عن أبيه قال:
نزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و عليه قباء أسود و منطقة، محتجزا فيها بخنجر».
قال يحيى بن معين: وقفت على حلقة أبي البختريّ و هو يحدّث بهذا الحديث، مسندا عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر. فقلت له: كذبت يا عدوّ اللّه، على رسول اللّه. قال:
فأخذني الشُرَط. فقلت: هذا يزعم أنّ رسول ربّ العالمين نزل على النبيّ و عليه قباء.
فقالوا لي: هذا واللّه قاصّ كذّاب. و أفرجوا عنّي[٢].
و الأحاديث في أولاد العبّاس و ملكهم، و لا سيّما الزيّ العبّاسيّ الذي تزيّا به جبرائيل، كثيرة، أوردها ابن الجوزيّ في موضوعاته و فنّدها خير تفنيد فراجع[٣].
*** ٥. الوضع نزولًا مع سياسة الطغاة. كان معاوية أوّل من وضع سياسته على وضع الأحاديث و قلبها، تمشيةً مع أهدافه المرتذلة، في التغلّب على واقع الإسلام الرفيع.
قال الاستاذ أبو ريّة: لا بدّ لنا أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث، كان لها أثر بعيد في الحياة الإسلاميّة، و لا يزال هذا الأثر يعمل عمله في الأفكار العفنة و العقول المتخلّفة و النفوس المتعصّبة. ذلك أنّ السياسة قد دخلت في هذا الأمر، و أثّرت فيه تأثيرا بالغا، فسخّرته ليؤيّدها في حكمها، و جعلته من أقوى الدعائم لإقامة
[١] -. الموضوعات، ج ٣، ص ١٢.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٤٧- ٤٨.
[٣] -. المصدر نفسه، ج ٢، ص ٣٠- ٣٧.