التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - ٢ و بعد أن ظهرت المذاهب الفقهية
و بعد فتلك محاورة رشيقة دارت بين كبار الصحابة في فهم آية تشتمل على حكم شرعيّ عامّ، و قد فهمه البعض خاصّا، لكنّه رجع بعد التفاهم و الحوار ..
قال الذهبيّ: مثل هذا الخلاف كان يقع مع الصحابة حسبما يفهمه كلّ منهم في النصّ القرآنيّ، و ما يحيط به من أدلّة خارجيّة. و مع هذا الاختلاف فقد كان كلّ واحد من المختلفين يطلب الحقّ وحده، فإن ظهر له أنّه في جانب من خالفه رجع إلى رأيه و أخذ به[١]
و هكذا لمّا رفعت امرأة إلى عمر و كانت قد ولدت لستّة أشهر، فهمّ عمر أن يرجمها لولا أن تداركها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام و قال: إنّ لها عذرا في كتاب اللّه، يقول تعالى:
«وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ»[٢]. و قال: «وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً»[٣] ..
فإذا كان الفصال- و هي مدّة الرضاع- عامين، فالباقي للحمل ستّة أشهر .. فاقتنع عمر بذلك و خلّى سبيلها[٤] .. ثمّ قال: اللّهمّ لا تُبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب[٥] ..
و مثل هذا الحادث وقع لعمر مع ابن عبّاس أيضا .. قال ابن عبّاس: فاستراح عمر إلى قولي[٦].
هكذا يؤثّر التفاهم حيث كان نزيها!.
٢. و بعد أن ظهرت المذاهب الفقهيّة
و على هذا المنوال جرت سيرتهم في مسائل الخلاف، و التي كانت تنتهي إلى الوفاق في نهاية المطاف ..
[١] -. التفسير و المفسّرون، ج ٢، ص ٤٣٣.
[٢] -. البقرة ٢٣٣: ٢. و في سورة لقمان( ٣١): ١٤:« وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ».
[٣] -. الأحقاف ١٥: ٤٦.
[٤] -. سنن البيهقيّ، ج ٧، ص ٤٤٢ باب ما جاء في أقلّ الحمل؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج ٧، ص ٢٧٩- ٢٨١( باب( ٣٣٥) التي تضع لستّة أشهر).
[٥] -. كما في لفظ سبط ابن الجوزيّ. و في لفظ النيسابوريّ و الحافظ الكنجيّ: فصدّقه عمر و قال: لولا عليّ لهلك عمر. راجع: الغدير، ج ٦، ص ١٣٣.
[٦] -. الدرّ المنثور، ج ٧، ص ٤٤٢؛ المصنّف، ج ٧، ص ٢٨١.