التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - أهم أسباب الوضع
الاصول، بل إنّ من أهل السنّة المختلفين في الفروع مَن وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه.
من ذلك ما رواه الأحناف، قدحا في الشافعيّ و مدحا لأبي حنيفة، بإسناد رفعوه إلى أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «يكون في امّتي رجل يقال له: محمّد بن إدريس، أضرّ على امّتي من إبليس. و يكون في امّتي رجل يقال له: أبو حنيفة، هو سراج امّتي».
و قد رواه الخطيب مقتصرا على ما ذكروه في أبي حنيفة، و قال: موضوع وضعه محمّد ابن سعيد المروزيّ البورقيّ، و هكذا حدّث به في بلاد خراسان ثمّ حدّث به في العراق، و زاد فيه: «و سيكون في امّتي رجل يقال له: محمّد بن إدريس، فتنته أضرّ على امّتي من فتنة إبليس».
قال أبو ريّة: و هذا الإفك ممّا لا يحتاج إلى بيان بطلانه، و مع هذا تجد فقهاء الأحناف المعتبرين يذكرون في كتبهم الفقهيّة شقّ الحديث الذي يصف أبا حنيفة بأنّه سراج الامّة و يسكنون إليه، بل يستدلّون به على تعظيم إمامهم على سائر الأئمّة.
الأمر الذي اضطرّ الشافعيّة إزاء ذلك أن يضعوا في إمامهم حديثا يفضّلونه على كلّ إمام، و هذا نصّه: «أكرموا قريشا فإنّ عالمها يملأ طباق الأرض علما». و أنصار الإمام مالك لم يلبثوا أن وضعوا في إمامهم هذا الحديث: «يخرج الناس من المشرق إلى المغرب، فلا يجدون أعلم من عالم أهل المدينة». و أحاديث مشابهة وضعوها بهذا الشأن[١].
*** هذا فضلًا عن الدسّ و التزوير في الأحاديث لنصرة المذهب.
هذا أبو العبّاس القرطبيّ- في شرح صحيح مسلم- يقول: أجاز بعض فقهاء أهل الرأي، نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس الجليّ إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم نسبةً قوليّة. فيقولون في ذلك: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: كذا و كذا؛ و لهذا نرى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها
[١] -. أضواء على السنّة المحمّديّة، ص ١٢٢؛ راجع: الغدير للعلّامة الأمينيّ، ج ٥، ص ٢٧٧- ٢٨٨ تجد فصلًا مشبعا بهذه المدسوسات من المناقب و المكرمات.