التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - ٥ أبو هريرة
صورته، على صورة اللّه خَلَقه»[١].
و روى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بيدي! فقال: خلق اللّه التربة يوم السبت، و خلق فيها الجبال يوم الأحد، و خلق الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، و خلق النور يوم الأربعاء، و بثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، و خلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة. و قد روى هذا الحديث أحمد و النسائيّ أيضا عن أبي هريرة.
قال البخاريّ و ابن كثير و غيرهما: إنّ أبا هريرة قد تلقّى هذا الحديث عن كعب الأحبار؛ لأنّه يخالف نصّ القرآن في أنّه خلق السماوات و الأرض في ستّة أيّام[٢].
قال أبو ريّة: و قد بلغ من دهاء كعب و استغلاله لسذاجة أبي هريرة و غفلته، أن كان يلقّنه ما يريد بثّه في الدين الإسلاميّ من خرافات و تُرّهات، حتّى إذا رواها أبو هريرة عاد هو فصدّق أبا هريرة، و ذلك ليؤكّد هذه الإسرائيليّات، و ليمكّنَ لها في عقول المسلمين، كأنّ الخبر جاء عن أبي هريرة، و هو في الحقيقة عن كعب الأحبار.
و إليك مثلًا ما رواه أحمد عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: «إنّ في الجنّة لشجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام، اقرأوا إن شئتم: و ظلّ ممدود»[٣].
و لم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتّى أسرع كعب، فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى و الفرقان على محمّد، لو أنّ رجلًا ركب حقّة أو جذعة ثمّ دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتّى يسقط هرما! و هكذا كانا- كعب و أبو هريره- يتعاونان على نشر مثل هذه الخرافات. و من العجيب أن يروي مثل هذا الخبر الغريب أيضا وهب بن منبّه في أثر غريب، فيرجع إليه من أراده[٤].
[١] -. قال أبو ريّة: من روايات هذا الحديث: و طول آدم ستّون ذراعا. و قد انتقد هذا الحديث ابن حجر في فتح الباري، قال: و يشكل على هذا من الآن، الآثار للُامم السالفة كديار عاد و ثمود، فإنّ مساكنهم تدلّ على أنّ قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول، على حسب ما يقتضيه الترتيب الذي ذكره أبو هريرة. و أنكر مالك هذا الحديث أضواء على السنّة المحمّديّة، ص ٢٠٨- ٢٠٩ بالهامش.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٢٠٩.
[٣] -. المصدر نفسه، ص ٢١٠.
[٤] -. راجع: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥١٣- ٥١٤.