التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٦ - ٥ أبو هريرة
قال الثعالبيّ، و كان أبو هريرة تُعجبه المضيرة جدّا، فيأكلّ مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صلّى خلف عليّ عليه السلام، فإذا قيل له في ذلك، قال: مضيرة معاوية أدسم و أطيب، و الصلاة خلف عليّ أفضل و أتمّ. و من كلامه: ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحارّ، و ما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر[١].
*** و قد أخذ العلماء على أبي هريرة كثرة حديثه عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مع قلّة صحبته و قلّة بضاعته حينذاك، و من ثمّ رموه بالتدليس و الاختلاق. كان يسمع الحديث من أحد الصحابة ثمّ يدلّس، فيرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.
و كان كثيرا ما يسمع الحديث من أهل الكتاب و لا سيّما كعب الأحبار، فيسنده إلى النبيّ أو أحد كبار صحابته تدليسا و تمويها على العامّة.
فقد روى مسلم عن بسر بن سعيد، قال: اتّقوا اللّه و تحفّظوا من الحديث. فواللّه لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدّث عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و يحدّث عن كعب الأحبار، ثمّ يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن كعب، و حديث كعب عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم. و في رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و ما قاله رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن كعب. فاتّقوا اللّه و تحفّظوا في الحديث.
و قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلّس، أي يروي ما سمعه من كعب و ما سمعه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و لا يميّز هذا من هذا. و قال ابن قتيبة: و كان أبو هريرة يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كذا، و إنّما سمعه من الثقة عنده فحكاه. و كانت عائشة أشدّهم إنكارا على أبي هريرة. و ممّن اتّهم أبا هريرة بالكذب عمر و عثمان و عليّ و غيرهم، فكما قال الاستاذ الرافعيّ: «كان أوّل راوية اتُّهم في الإسلام»[٢].
و الحديث بشأن تدليس أبي هريرة و إنكار الصحابة عليه ذو شجون، عرضه بتفصيل
[١] -. أضواء على السنّة المحمّديّة، ص ١٩٥- ١٩٩.
[٢] -. راجع: تاريخ آداب العرب للرافعيّ، ج ١، ص ٢٧٨.