التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - امتهانه بشأن القراء
فشيء لو كان في مكان الضرورات و هو الشعر، لكان سمجا مردودا، كما سمج و ردّ:
|
فزججتها بمزجّةٍ |
زَجَّ القلوصِ أبي مزادة[١] |
|
فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه و جزالته.
قال: و الذي حمله على ذلك، أنْ رأى في بعض المصاحف «شركائهم» مكتوبا بالياء.
و لو قرأ بجرّ الأولاد و الشركاء؛ لأنّ الأولاد شركاؤهم في أموالهم، لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب[٢].
و في ذلك امتهان بشأن ابن عامر[٣] و استهانة بشأن قراءته غير المستندة إلى حجّة معتبرة[٤]، الأمر الذي أثار نعرات القوم ضدّه و جعلوه يقذفونه بأقبح الشتائم. هذا ابن المنير الإسكندريّ الهائم في تيه ضلاله، يعلو بنشيجه في ذلك، يقول في حدّة و غضب: لقد ركب المصنّف في هذا الفصل متن عمياء، و تاه في تيهاء، و أنا أبرأ إلى اللّه، و أُبرّئ حملة كتابه و حفظة كلامه ممّا رماهم به، فإنّه تخيّل أنّ القُرّاء- أئمّة الوجوه السبعه- اختار كلّ منهم حرفا قرأ به اجتهادا لا نقلًا و سماعا، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه. و لم يعلم الزمخشريّ أنّ ابن عامر قرأ بها، يعلم ضرورة أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قرأها على جبرائيل كما أنزلها عليه كذلك، و تواترت عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم. و لولا عذر أنّ المنكر ليس من أهل الشأنَين: علم القراءة و علم الاصول، لخيف عليه الخروج من ربقة الدين، و أنّه على هذا العذر لفي
[١] -. الزجّ: الطعن. و المزجّة: الرمح القصير لأنّه آلة للزجّ. و القلوص: الناقة الشابّة، و هو مفعول فاصل بين المضاف و المضاف إليه.
[٢] -. الكشّاف، ج ٢، ص ٧٠.
[٣] -. هو عبد اللّه بن عامر اليحصبيّ قارئ الشام، توفّي سنة ١١٨ ه .. كان خامل النسب خامل الذكر، لم يعرف نسبه كما لم يعرف له شيخ، تعلّم القراءة عفوا، و قد كرهه الناس و كرهوا قراءته، كان يؤمّ الناس بالمسجد الأمويّ، فلمّا استخلف سليمان بن عبد الملك بعث إلى مهاجر و قال: قف خلف ابن عامر فإذا تقدّم فخذ بثيابه و اجذبه، فلن يتقدّم منّا دعيٌّ، و صلِّ أنت يا مهاجر، ففعل. راجع: التمهيد، ج ٢، ص ١٧٩؛ طبقات القرّاء، ط ٣، رقم ٨.
[٤] -. و قد تكلّمنا عن القراءات السبع و أنّها غير متواترة، و إنّما هي اجتهادات للقرّاء، لا حجّيّة فيها ذاتيّة في سوى قراءة عاصم برواية حفص، فإنّها لوحدها القراءة المتواترة التي توارثها المسلمون من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و لا حجّيّة في غيرها إطلاقا. راجع: التمهيد، ج ٢، ص ٥٩- ٨٣ مبحث القُرّاء و القراءات.