التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٨ - منهجه في التفسير
أقوى؛ لأنّه تعالى بيّن أنّهم متى ردّوه إلى أُولي العلم علموه، و الردّ إلى من ليس بمعصوم، لا يوجب العلم؛ لجواز الخطأ عليه بلا خلاف، سواء أ كانوا أُمراء السرايا، أو العلماء[١].
و عند قوله تعالى: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»[٢].
قال: فيمن تعود «الهاء» إليه قولان: أحدهما: قال الزجّاج: إنّها تعود إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.
و الثاني: قال الجبّائيّ: تعود إلى أبي بكر؛ لانّه كان الخائف و احتاج إلى الأمن. قال الشيخ:
و الأوّل أصحّ؛ لأنّ جميع الكنايات قبل هذا و بعده راجعة إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فلا يليق أن يتخلّل ذلك كلّه كناية عن غيره.
ثمّ قال: و ليس في الآية ما يدلّ على تفضيل أبي بكر؛ لأنّ قوله: «ثانِيَ اثْنَيْنِ» مجرّد الإخبار أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم خرج و معه غيره. و كذلك قوله: «إِذْ هُما فِي الْغارِ» خبر عن كونهما فيه. و قوله: «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ» لا مدح فيه أيضا؛ لانّ تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة، ألا ترى أنّ اللّه تعالى قال في صفة المؤمن و الكافر: «قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ»[٣]، و قوله: «لا تَحْزَنْ» إن لم يكن ذمّا فليس بمدح، بل هو نهي محض عن الخوف. قوله: «إِنَّ اللَّهَ مَعَنا»، قيل: إنّ المراد به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، و لو أُريد به أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة؛ لأنّه يحتمل أن يكون ذلك على وجه التهديد. إلى أن يقول: فأين موضع الفضيلة للرجل لولا العناد. ثمّ أضاف: و لم نذكر هذا للطعن على أبي بكر، بل بيّنا أنّ الاستدلال بالآية على الفضل غير صحيح[٤].
و في مسألة «العدل» و تحكيم العقل في معرفة الصفات، نراه يذهب مذهب أهل الاعتدال في النظر، فيؤوّل الآيات على خلاف ما يراه أهل الظاهر من الصفاتيّين، من الأشاعرة و أهل القول بالجبر و التشبيه.
[١] -. التبيان، ج ٣، ص ٢٧٣.
[٢] -. التوبة ٤٠: ٩.
[٣] -. الكهف ٣٧: ١٨.
[٤] -. التبيان، ج ٥، ص ٢٢٠- ٢٢٣.