التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٢ - ما يؤخذ على تفاسير الصوفية
الباء من بسم اللّه، و ليس لزيادتها علّة، ليُعلَم أنّ الإثبات و الإسقاط بلا علّة؛ فلا يقبل من قَبِلَ لاستحقاق علّة، و لا ردّ من ردّ لاستيجاب علّة!
فإن قيل: العلّة في إسقاط الألف من بسم اللّه كثرة الاستعمال في كتابتها، أُشكل بأنّ الباء في بسم اللّه زيد في كتابتها، و كثرة الاستعمال موجودة.
فإن قيل: العلّة في زيادة شكل الباء بركة أفضالها بسم اللّه، أُشكل بحذف ألف الوصل، لأنّ الاتّصال فيها موجود ..
فلم يبق إلّا أنّ الإثبات و النفي ليس لهما علّة؛ يرفع من يشاء و يمنع من يشاء[١].
و يتّضح من ذلك أنّ استنباط الإشارة ليس- كما قلنا- مسألة عشوائيّة، إنّما هو خاضع لقواعد و اصول، هم مهّدوها من قبل.
و بذلك نراه لا ينثني عن منهجه- في افتراض القول بلا موجب- حتّى في سورة براءة، التي لم تفتتح بالبسملة، و حسبها من غير سبب معقول لنا .. يقول: «الحقّ- سبحانه- جرّد هذه السورة عن ذكر البسملة، ليُعلَم أنّه يخصّ من يشاء و ما يشاء بما يشاء، و يُفرد من يشاء بما يشاء، لا لصنعه سبب، و لا في أفعاله غرض و لا أَرَب.
و من قال: إنّه لم يذكرها، لأنّ السورة مفتتحة بالبراءة من الكفّار، فهو- و إن كان وجها في الإشاره- إلّا أنّه ضعيف، و في التحقيق بعيد، لأنّه افتتح سورا من القرآن بذكر الكفّار، مثل قوله: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا» في سورة البيّنة. و مثل قوله: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» في سورة الهمزة، و قوله: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» في سورة المسد و قوله: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» في سورة الكافرون .. فهذه كلّها مفاتح السور، و البسملة مثبتة في أوائلها، و هي متضمّنة ذكر الكفّار».[٢]
و بعد أن ينتهي القشيريّ من بسط مذهبه في كلّ بسملة على هذا النحو الطريف الممتع يبدأ في تفسير السورة آية آية تفسيرا على نمط أهل الذوق و العرفان ..[٣]
[١] -. لطائف الإشارات، ج ٣، ص ٢٦٢. و بحقّ إنّه كلام مُغلَق لا محصَّل له ظاهرا!
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٥.
[٣] -. راجع: المصدر نفسه المقدّمة، ج ١، ص ٣٨- ٤٠.