التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - ٢١ تفسير الثعالبي(الجواهر الحسان)
و كذا في قصّة البقرة، نراه يقصّ علينا قصّة طويلة مسهبة و غريبة على ما ذكره المفسّرون و يعقّبها بقوله: و هذه السياقات عن عبيدة و أبي العالية و السدّيّ و غيرهم، فيها اختلاف، و الظاهر أنّها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، و هي ممّا يجوز نقلها، و لكن لا تصدّق و لا تكذّب، فلهذا لا يُعتمد عليها إلّا ما وافق الحقّ عندنا[١].
قوله: «و هي ممّا يجوز نقلها» هذا إنّما تبع في ذلك شيخه ابن تيميّة في تجويز الحديث عن بني إسرائيل، و لكن من غير تكذيب و لا تصديق. و قد تكلّمنا في ذلك عند الكلام عن الإسرائيليّات، و أنّه يجب نبذها و عدم نقلها، و لا سيّما إذا كانت من الشائعات عندهم، غير مثبتة في كتبهم، و الأكثر هو من هذا القبيل.
و هكذا في تفسير سورة «ق»، يذكر عن بعض السلف أنّه جبل محيط بالأرض، ثمّ يعقّبه بقوله: و كأنّ هذا- و اللّه أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم، ممّا لا يصدّق و لا يكذّب، و عندي أنّ هذا و أمثاله و أشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم. كما افتري في هذه الامّة- مع جلالة قدر علمائها و حفّاظها و أئمّتها- أحاديث عن النبيّ و ما بالعهد من قدم، فكيف بأُمّة بني إسرائيل مع طول المدى و قلّة الحفّاظ النقّاد فيهم، و شربهم للخمور، و تحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، و تبديل كتب اللّه و آياته. و إنّما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأمّا فيما تُحيله العقول و يحكم فيه بالبطلان و يغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل[٢].
٢١. تفسير الثعالبيّ (الجواهر الحسان)
هو أبو زيد عبد الرحمان بن محمّد بن مخلوف الثعالبيّ، توفّي سنة (٨٧٦ ه.). كان من الأئمّة الرحّالين في طلب العلم. و طار صيته بالفضل و الزهد عن الدنيا. و أصبح آية في علم الحديث، و خلّف كتبا كثيرا ألّفها على نمط أهل الحديث المكثرين.
[١] -. المصدر نفسه، ص ١٠٨- ١١٠.
[٢] -. المصدر نفسه، ج ٤، ص ٢٢١.