التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٠ - ١ التفسير الفقهي في عهده الأول
و أحيانا يختلفون في فهم الآية، فكان تختلف أحكامهم في المسألة، و كان الرأي الغالب هو المحكّم حينذاك، ما داموا على الوفاق في الوصول إلى الحقيقة، و من غير عناد أو لجاج ..
من ذلك حديث عمّار مع عمر بن الخطّاب، حيث فهم عمر من آية التيمّم اختصاصها بالحدث الأصغر، أمّا المجنب فيدع الصلاة حتّى يبلغ الماء .. فعارضه عمّار، و ذكّره ما صنع على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فأمره بالتيمّم إذا أجنب و لم يجد الماء ..[١]
و هكذا تمارى ابن مسعود و عمّار في الرجل تصيبه الجنابة و لا يجد الماء، فقال ابن مسعود: لا يصلّي حتّى يجد الماء! و قال عمّار- و حدّث بقصّته مع رسول اللّه[٢]- و لم يقتنع ابن مسعود في بادئ بدء ..
و روى البخاريّ في صحيحه (ج ١، ص ٩٥): أنّ أبا موسى الأشعريّ قال لعبد اللّه بن مسعود: أ رأيت- يا أبا عبد الرحمان- إذا أجنب أحدكم فلم يجد ماءً، كيف يصنع؟ فقال عبد اللّه: لا يصلّي، حتّى يجد الماء! فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمّار، حين قال له النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: كان يكفيك- أي التيمّم[٣]-! قال ابن مسعود: ألمتر عمر لم يقنع بذلك .. و في حديث آخر: قال: إنّي لم أر عمر قنع بقول عمّار.![٤].
[١] -. روى مسلم أنّ رجلًا أتى عمر فقال: إنّي أجتنب فلم أجد ماءً؟ فقال: لا تصلّ! فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين- و ذكر قصّته مع رسول اللّه-. فقال عمر: اتّق اللّه يا عمّار! قال عمّار: إن شئت لم احدّث به! صحيح مسلم، ج ١، ص ١٩٣.
و في حديث عبد اللّه بن مسعود مع أبي موسى الأشعريّ- رواه مسلم-:« أو لم تَرَ عُمَرَ لم يقنع بقول عمّار!».
نعم، كان عمر قد أُصرّ على رأيه حتّى أصبح مشهورا به. قال ابن حجر: و هذا مذهب مشهور عن عمر. و وافقه عليه عبد اللّه بن مسعود. و جرت فيه مناظرة بين أبي موسى و ابن مسعود فتح الباري، ج ١، ص ٣٧٦. لكنّه ذكر بعد ذلك: أن لم يكن لابن مسعود عذر في التوقّف عن قبول حديث عمّار، فلهذا جاء عنه: أنّه رجع عن الفتيا بذلك. كما أخرجه ابن أبي شيبة ..( المصدر نفسه، ص ٣٨٧).
[٢] -. رواه البيهقيّ في السنن الكبرى، ج ١، ص ٢٢٠.
[٣] -. كما في أحاديث سابقة .. و راجع: صحيح مسلم، ج ١، ص ١٩٣.
[٤] -. روى مسلم بالإسناد إلى الأعمش عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد اللّه بن مسعود و أبي موسى الأشعريّ، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمان، أ رأيت لو أنّ رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد اللّه: لا يتيمّم، و إن لم يجد الماء شهرا! فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة ٦:« وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» .. فقال عبد اللّه: لو رُخّص لهم في هذه الآية، لأوشك إذا بَرَد عليهم الماء أن يتيمّموا بالصعيد! فقال أبو موسى لعبد اللّه: ألم تسمع قول عمّار- عند ما بعثه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في حاجة فأجنب فتمرّغ في الصعيد، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فعلّمه التيمّم-! فقال عبد اللّه: أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمّار! .. أي كما لم يقتنع الخليفة بقوله، كذلك لم يُقنعني قوله. لكنّه رجع عن رأيه كما نبّهنا صحيح مسلم، ج ١، ص ١٩٢- ١٩٣.