التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - ١ التفسير الفقهي في عهده الأول
فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمّار، كيف تصنع بهذه الآية (المائدة: ٦)؟! فما درى عبد اللّه ما يقول! ثمّ قال: إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرَد على أحدهم الماء أن يدعه و يتيمّم .. قال شعبة- راوي الحديث عن شقيق بن سلمه-: قلت لشقيق: فإنّما كره عبد اللّه لهذا؟ قال: نعم!
قلت: و هذا يعني أنّه أخذ بالقياس و الاستحسان و ترك الأخذ بعموم النصّ بل صريحه في المحدث و المجنب كلاهما يتيمّمان إذا فقدا الماء!!
و لا أظنّ ابن مسعود بقي على رأيه، بل رجع إلى عموم القرآن كما قال ابن حجر[١].
بل و هذا الذي تحاشاه و تحذّره ابن مسعود- إن صحّت الروايه- نرى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم يتحذّره، بل أجازه .. ذكر البخاريّ أنّ عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمّم و تلا:
«وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً»[٢]. فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فلم يُعنِّف[٣] ..
و لعلّ عمر أيضا رجع عن رأيه بعد أن وضحت له صراحة القرآن في الشمول ..
و لا سيّما و لم نجد أحدا شايعه في ذلك لا من الصحابة و التابعين و لا من الفقهاء .. بل إجماع المسلمين على أنّ التيمّم يقوم مقام الوضوء و الغسل كما قال الجزيريّ[٤].
[١] -. قال: جاء عنه أنّه رجع عن الفتيا بذلك فتح الباري، ج ١، ص ٣٨٧.
[٢] -. النساء ٢٩: ٤.
[٣] -. أى لم يلُمه و لم يُشدّد عليه. و الرواية ذكرها ابن حجر و فيها: أنّه لمّا قصّ على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قصّته و استناده إلى الآية، ضحك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و لم يقل شيئا المصدر نفسه، ص ٣٨٥.
[٤] -. الفقه على المذاهب الأربعة للجزيريّ، ج ١، ص ١٥٠. و ذكر حديث عمران بن حصين: أنّ رسول اللّه رأى رجلًا معتزلًا لم يصلّ مع القوم، فقال: ما يمنعك يا فلان أن تصلّي في القوم؟ فقال: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أصابتني جنابة و لا ماء! فقال: عليك بالصعيد فإنّه يكفيك. رواه مسلم و البخاريّ، ج ١، ص ٩٤ و أحمد، ج ٤، ص ٤٣٤.