التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - تدرج التفسير و تلونه
النِحَل و الأهواء فيه ظهورا جليّا.
و ذلك أنّ كلّ من برع في فنّ من فنون العلم و الأدب، يكاد يقتصر تفسيره على الفنّ الذي برع فيه. فالنحويّ تراه لا همّ له إلّا الإعراب، و ذكر ما يحتمل في ذلك من أوجه.
و تراه ينقل مسائل النحو و فروعه و خلافاته، و ذلك كالزجّاج، و الواحديّ في البسيط، و أبي حيّان في البحر المحيط.
و صاحب العلوم العقليّة تراه يُعني في تفسيره بأقوال الحكماء و الفلاسفة، كما يذكر شُبههم و الردّ عليها، و ذلك كالفخر الرازيّ في كتابه مفاتيح الغيب.
و صاحب الفقه تراه قد عنى بتقريره الأدلّة للفروع الفقهيّة، و الردّ على من يخالف مذهبه، و ذلك كالجصّاص و القرطبيّ و أمثالهما كثير.
و صاحب التاريخ ليس له شغل إلّا القَصص، و ذكر أخبار السلف، ما صحّ منها و ما لم يصحّ، و ذلك كالثعلبيّ و الخازن و غيرهما.
و أصحاب المذاهب الكلاميّة إنّما يحاولون تأويل الظواهر إلى ما يتّفق و مذاهبهم في الكلام، و يقصرون الكلام في تفاسيرهم على هذا الجانب؛ حيث يتوسّعون فيه، و ذلك كالرمّانيّ و الجُبّائيّ، و القاضي عبد الجبّار، و الزمخشريّ و الطوسيّ.
و أرباب التصوّف و العرفان الصوفيّ إنّما يتّجهون بكلّ اتّجاهاتهم إلى ناحية تزكية الروح و تطهير النفس، و الترفّع بها إلى ذروة الأخلاق الحميدة، كما يحاولون في استخراج المعاني الإشاريّة- حسبما يزعمون- من الآيات القرآنيّة بما يتّفق مع مشاربهم، و يتناسب مع رياضاتهم و مواجيدهم في عرفان الذات. و من هؤلاء ابن عربيّ، و أبو عبد الرحمان السلميّ، و القشيريّ في لطائف الإشارات، و الفيض الكاشانيّ في أكثر مواضع تفسيره.
و هكذا فسّر كلّ صاحب فنّ أو مذهب بما يتناسب مع فنّه أو يشهد لمذهبه. و قد استمرّت هذه النزعة العلميّة و العقائديّة، و راجت في فترة غير قصيرة رواجا عظيما، كما راجت في عصر متأخّر تفسيرات يحاول أهلها أن يحملوا آيات القرآن كلّ العلوم ما ظهر منها و ما لم يظهر، كأنّ هذا فيما يبدو وجه وجوه إعجاز القرآن و صلاحيته، لأن يتمشّى